إرشاد الطالب في شرح المكاسب - التبريزي، الميرزا جواد - الصفحة ٤٠ - الكهانة وحكمها
أقول: روى الطبرسي في الاحتجاج في جملة الأسئلة التي سأل الزّنديق عنها أبا عبداللَّه عليه السلام: قال الزّنديق: فمن أين أصل الكهانة، ومن أين يخبر النّاس بما يحدث؟ قال عليه السلام: «إنّ الكهانة كانت في الجاهلية في كلّ حين فترة من الرّسل، كان الكاهن بمنزلة الحاكم يحتكمون إليه فيما يشتبه عليهم من الامور بينهم، فيخبرهم بأشياء تحدث، و ذلك في وجوه شتّى: فِراسة العين، وذكاء القلب، ووسوسة النّفس،
سرق ومن قاتل قتل ومن غائب غاب، وهم بمنزلة الناس أيضاً صدوق وكذوب»[١].
ذكر المصنّف رحمه الله احتمالين في قوله: «مع قذف في قلبه»:
الأوّل: كونه قيداً لفطنة الروح، فيكون الحاصل أنّ المنشأ لخبر الكاهن عن الحوادث امور شتّى:
منها: ما يرجع إلى نفسه فقط، كفراسة عينه وذكاء قلبه ووسوسة نفسه، ومنها:
ما يرجع إلى المجموع، من فطنة روحه وقذف الشيطان في قلبه، ويساعد هذا الاحتمال ما عن «النهاية» من قوله: «و قد كان في العرب كهنة؛... فمنهم من كان يزعم أنّ له تابعاً من الجنّ ورَئِيّاً يلقي إليه الأخبار، ومنهم من كان يزعم أنّه يعرف الامور [الحوادث] بمقدّمات وأسباب يستدلّ بها [بالمقدمات] على مواقعها [على موارد الحوادث ومواضعها] من كلام من يسأله أو فعله أو حاله [بيان للمقدمات]»[٢]. فإنّ ظاهر هذا الكلام إمكان كون المنشأ في إخبار الكاهن الأمر الراجع إلى نفسه فقط.
الاحتمال الثاني: كونه قيداً لجميع ما ذكر، فيكون الحاصل إنّ منشأ إخبار الكاهن هو المجموع من الأمر الراجع إلى نفسه وقذف الشيطان، و جعل رحمه الله قوله- فيما بعد: «فإذا قد زاد كلمات من عنده فيخلط الحقّ بالباطل»- قرينة على هذا
[١] الاحتجاج ٢: ٢١٨ كلامه في الكهانة.
[٢] النهاية( لابن الأثير) ٤: ٢١٤- ٢١٥( كهن).