موسوعة الإمام الحسين في الكتاب و السنة و التاريخ - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٥٢
إنّا صِرنا إلَى الماءِ بَعدَ ذلِكَ، وكِدنا أن نَهلِكَ، فَنَجَونا بِحُشاشَةِ أنفُسِنا، واخبِرُكَ يَابنَ بِنتِ رَسولِ اللَّهِ ٦: أنّا أصَبنَا الماءَ بِمَوضِعٍ يُقالُ لَهُ المَضيقُ، وقَد تَطَيَّرتُ مِن وَجهي هذَا الَّذي وَجَّهتَني بِهِ، فَرَأيُكَ في إعفائي مِنهُ، وَالسَّلامُ.
قالَ: فَلَمّا قَرَأَ كِتابَ مُسلِمِ بنِ عَقيلٍ رحمه الله عَلِمَ أنَّهُ قَد تَشاءَمَ وتَطَيَّرَ مِن مَوتِ الدَّليلَينِ، وأنَّهُ جَزِعَ، فَكَتَبَ إلَيهِ:
بِسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، مِنَ الحُسَينِ بنِ عَلِيٍّ إلى مُسلِمِ بنِ عَقيلٍ: أمّا بَعدُ، فَإِنّي خَشيتُ ألّا يَكونَ حَمَلَكَ عَلَى الكِتابِ إلَيَّ، وَالاستِعفاءِ مِن وَجهِكَ هذَا الَّذي أنتَ فيهِ، إلَّاالجُبنُ وَالفَشَلُ، فَامضِ لِما امِرتَ بِهِ، وَالسَّلامُ عَلَيكَ ورَحمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ.
فَلَمّا وَرَدَ الكِتابُ عَلى مُسلِمِ بنِ عَقيلٍ، كَأَنَّهُ وَجَدَ[١] مِن ذلِكَ في نَفسِهِ، ثُمَّ قالَ:
وَاللَّهِ لَقَد نَسَبَني أبو عَبدِ اللَّهِ الحُسَينُ ٧ إلَى الجُبنِ وَالفَشَلِ! وهذا شَيءٌ لَم أعرِفهُ مِن نَفسي أبَداً.
ثُمَّ سارَ مُسلِمُ بنُ عَقيلٍ مِن مَوضِعِهِ ذلِكَ يُريدُ الكوفَةَ، فَإِذا بِرَجُلٍ يَرمِي الصَّيدَ، فَنَظَرَ إلَيهِ مُسلِمٌ، فَرَآهُ وقَد رَمى ظَبياً فَصَرَعَهُ، فَقالَ مُسلِمٌ: نَقتُلُ أعداءَنا إن شاءَ اللَّهُ تَعالى.[٢]
١٠٣٥. الأخبار الطوال: خَرَجَ مُسلِمٌ عَلى طريقِ المَدينَةِ لِيُلِمَ[٣] بِأَهلِهِ، ثُمَّ استَأجَرَ دَليلَينِ مِن قَيسٍ وسارَ، فَضَلّا ذاتَ لَيلَةٍ، فَأَصبَحا وقَد تاها، وَاشتَدَّ عَلَيهِمَا العَطَشُ وَالحَرُّ، فَانقَطَعا فَلَم يَستَطيعَا المَشيَ، فَقالا لِمُسلِمٍ: عَلَيكَ بِهذَا السَّمتِ فَالزَمهُ، لَعَلَّكَ أن
[١]. وَجَدَ الرجلُ: حَزِنَ( لسان العرب: ج ٣ ص ٤٤٦« وجد»).
[٢]. الفتوح: ج ٥ ص ٣٢، مقتل الحسين ٧ للخوارزمي: ج ١ ص ١٩٦ نحوه وراجع: المناقب لابن شهرآشوب: ج ٤ ص ٩٠.
[٣]. الإلمام: النزول. وقد ألمّ به: أي نزل به( الصحاح: ج ٥ ص ٢٠٣٢« لمم»). واللِّمام: اللّقاء اليسير. لمّالشيء يلمَّه: جمعه وأصلحه( لسان العرب: ج ١٢ ص ٥٥٠« لمم»).