معجم مقائيس اللغة - ابن فارس - الصفحة ٥٨ - باب العين و الفاء و ما يثلثهما
و من هذا الباب: العَفْو: المكان الذى لم يُوطأ. قال:
قبيلةٌ كشِراك النَّعل دارجةٌ * * * إنْ يَهبِطوا العَفْوَ لا يوجدْ لهم أثرُ [١]
أى إنّهم من قلتهم لا يُؤثِّرون فى الأرض.
و تقول: هذه أرضٌ عَفْو: ليس فيها أثر فلم تُرعَ و طعامٌ عَفْو: لم يَمَسَّه قبلّك أحد، و هو الأُنُف.
فأمَّا قولُهم عفا: درس، فهو من هذا؛ و ذلك أنّه شىء يُترَك فلا يُتعهَّد و لا يُنزَل، فيَخفى على مرور الأيّام. قال لبيد:
عَفَتِ الدِّيار محلُّها فمُقامها * * * بمِنًى تأبَّد غَوْلُها فِرجامُها [٢]
ألا تراه قال «تأبَّد»، فأعْلَمَ أنَّه أتى عليه أبَدٌ. و يجوز أن يكون تأبَّد، أى الِفَتْه الأوابد، و هى الوحش.
فهذا معنى العفو، و إليه يرجع كلُّ ما أشبهه.
و قول القائل: عفا: درس، و عفا: كثُر- و هو من الأضداد- ليس بشىء، إنّما المعنى ما ذكرناه، فإذا تُرِك و لم يُتعهَّد حتّى خَفِيَ على مَرّ الدهر فقد عفا، و إذا تُرِك فلم يُقطَع و لم يُجَزَّ فقد عفا [٣]. و الأصل فيه كلِّه التَّرك كما ذكرناه.
و من هذا الباب قولهُم: عليه العَفاء، فقال قومٌ هو التُّراب؛ يقال ذلك فى الشَّتيمة. فإن كان صحيحاً فهو التُّراب المتروك الذى لم يُؤثَّر فيه و لم يُوطَأ؛ لأنّه إذا
[١] للأخطل فى ديوانه ٢٨٩ و اللسان (عفا). و هو من أبيات يهجو بها كعب بن جعيل التغلى
[٢] البيت مطلع معلقته المشهورة.
[٣] يعنى بذلك الصوف و الشعر و نحوهما.