تنقيح الأصول - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٣٤١ - التنبيه الثالث اختلاف أصالة البراءة باختلاف متعلّقات الأحكام
ذلك من بيان أنّ هذا الفرد عالم، أو ليس بعالم، و لا مؤمّن من العقوبة فيه عقلًا [١].
و فيه: أنّ البيان الكلّي و إن كان صادراً قطعاً، لكن المفروض أنّ الحكم متعلّق بكلّ فرد فردٍ، غاية الأمر أنّه ليس بنحو التفصيل؛ بأن يقول: «أكرم زيداً و أكرم عمراً» و هكذا، بل بنحو الإجمال بقوله: «أكرم كلّ عالم»، فكما إذا لم يعلم بتعلّق وجوب الإكرام بزيد في الأوّل- أي إذا تعلّق الحكم بكلّ فرد فرد بنحو التفصيل- لا يجب إكرامه لجريان قاعدة القبح، كذلك فيما لو صدر الحكم بنحو الإجمال و الكلّي الاستغراقي؛ لعدم الفرق بين الصورتين إلّا بالإجمال و التفصيل.
لا أقول: إنّ الحكم متعلّق بالأفراد المعلومة، بل أقول: إنّه متعلّق بالأفراد الواقعيّة للعلماء، لكن العقاب على المشكوك عالميّته منها عقاب بلا حجّة و بيان، فلا إشكال في جريان البراءة العقليّة في الفرد المشكوك.
فإن قلت: مقتضى ذلك البيان جواز التمسُّك بالعامّ في الشبهات المصداقيّة للمخصّص، كما لو قال: «أكرم العلماء، و لا تكرم الفسّاق منهم»، و شكّ في أنّ زيداً العالم فاسق أو لا بنحو الشبهة الموضوعيّة، فلم تعلم حرمة إكرام زيد، و المفروض أنّه عالم، فيتمسّك بأكرم العلماء في وجوب إكرامه.
قلت: الحكم بعدم جواز التمسُّك بالعامّ في الشبهات المصداقيّة للمخصِّص، ليس لأجل عدم جريان البراءة العقليّة في الشبهات الموضوعيّة؛ ليرد ما ذكر، بل إنّما هو لأجل ما ذكرناه في محلّه: من أنّه يعتبر في جواز التمسّك بالظواهر- مضافاً إلى الصدور و الظهور و حجّيّتها- إحراز تطابق الإرادة الجدّيّة مع الإرادة الاستعماليّة، و زيد في المثال المذكور و إن كان من المصاديق المشتبهة للمخصِّص، فليس المخصِّص حجّة فيه، و لكن لا يجوز التمسّك بالعامّ- أيضاً- لعدم إحراز تطابق الجدّ و الاستعمال فيه.
[١]- انظر نهاية التقرير ١: ١٧٤- ١٧٨.