تنقيح الأصول - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ١٠٠ - في الجواب عن «ابن قبّة» بالنسبة إلى الاصول العملية
و قد تصدّى بعض الأعلام لدفع غائلة التضادّ بين الحكمين باختلاف الرتبة، فإنّ رتبة الحكم الظاهري رتبة الشكّ في الحكم الواقعي، و الشكّ فيه متأخّر في الرتبة من نفس وجوده، و حينئذٍ فالحكم الظاهري في طول الحكم الواقعي، و لا تضادّ بينهما؛ لاعتبار وحدة الرتبة في التناقض و التضادّ [١].
و لكن هذا التوهّم فاسد، فإنّ الحكم الظاهري و إن لم يكن في رتبة الحكم الواقعي، لكن الحكم الواقعي متحقِّق في رتبة الحكم الظاهري؛ لانحفاظ الحكم الواقعي في رتبة الشكّ فيه و لو بنتيجة الإطلاق، فيجتمع الحكمان المتضادّان في رتبة الشكّ، فهذا لا يرفع غائلة التضادّ بينهما إلّا بضمّ مُقدّمةٍ اخرى إلى ذلك، و هي أنّ الأحكام الواقعيّة بوجوداتها النفس الأمريّة لا تصلح للداعويّة، و قاصرة عن أن تكون محرّكة للعبد نحو امتثالها في صورة الشكّ في وجودها، فإنّ الحكم لا يتكفّل لبيان أزمنة وجوده التي منها زمان الشكّ فيه، و إن كان محفوظاً في ذلك الحال على تقدير وجوده الواقعي، إلّا أنّ انحفاظه في ذلك الحال غير كونه بنفسه مبيِّناً لوجوده فيه، بل لا بدّ في ذلك الحال من مبيِّنٍ آخر و جعلٍ ثانويّ يتكفّل لبيان أزمنة وجوده، التي منها زمان الشكّ فيه، و هذا الجعل الثانوي من متمّمات الجعل الأوّلي، و يتّحد الجعلان في صورة وجود الحكم الواقعي في زمان الشكّ، و لا يخفى أنّ مُتمّمات الجعل على أقسام، و ما نحن فيه قسم منه إذا كان الحكم الواقعي على وجه يقتضي المتمّم في زمان الشكّ فيه، و إلّا فقد لا يقتضي الحكم جعل المتمّم في زمان الشكّ.
توضيح ذلك: أنّ للشكّ في الحكم الواقعي اعتبارين:
أحدهما: كونه من الحالات و الطوارئ اللّاحقة للحكم الواقعي أو موضوعه، كحالة العلم و الظنّ، و هو بهذا الاعتبار لا يمكن أخذه موضوعاً لحكمٍ يُضادّ الحكم الواقعي؛ لانحفاظ الحكم الواقعي لديه.
[١]- انظر الرسائل الفشاركية: ٢٠- ٢٢.