تنقيح الأصول - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٣٨١ - البحث حول الروايات الواردة في أطراف العلم الإجمالي
الترخيص في ارتكاب جميع أطراف العلم الإجمالي إلى أن يتحقّق العلم التفصيلي بالحرام، و الترخيص في الشبهات البَدْويّة حتّى يحصل العلم بالحرام و لو إجمالًا، فإنّ مقتضى الأوّل الترخيص في جميع أطراف العلم الإجمالي، و مقتضى الثاني عدمه، فيلزم التناقض في مدلول الرواية.
مضافاً إلى أنّ العرفان إنّما يطلق في الجزئيّات إذا تميّز الجزئي بجميع خصوصيّاته الشخصيّة، و لا يطلق على المردّد بين الفردين أو الأفراد، بل يطلق عليه العلم لا المعرفة، فمعرفة الشيء بعينه هو الذي يشار إليه بالإشارة الحسّيّة، فالمتبادر من الرواية عرفاً هو إرادة أطراف العلم الإجمالي بالخصوص؛ أي الاحتمال الأوّل من الاحتمالات الثلاثة المتقدّمة، و أنّ المراد بالمعرفة هي المعرفة التفصيليّة، و أنّ المراد بالشيء: هو المختلط بالحرام و الحلال.
لكن هنا إشكال آخر- مع قطع النظر عن مجهوليّة محمّد بن سليمان؛ لاشتراكه بين الثقة و الضعيف- و هو أنّ العلم الإجمالي بوجود الحرام في الجبن إنّما هو لمكان الإنفحة التي اخذت من الميتة، و الروايات متضافرة من أهل البيت (عليهم السلام) على حلّيّته [١]، لكن حيث إنّهم زعموا حرمتها بيّن الإمام (عليه السلام) جواز أكله بطريق آخر تنطبق هذه القاعدة عليه.
و الحاصل: أنّ هذا البيان من الإمام (عليه السلام) إنّما هو لأجل عدم تسليم الخصم حلّيّة الإنفحة، كما يظهر ذلك من
رواية أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث: أنّ قتادة قال له: أخبرني عن الجبن.
فقال (عليه السلام): (لا بأس به).
فقال: ربّما جُعِلت فيه إنفحة الميتة.
فقال (عليه السلام): (ليس به بأسٌ؛ إنّ الإنفحة ليس لها عروق، و لا فيها دم، و لا لها
[١]- وسائل الشيعة ١٦: ٤٤٤، كتاب الأطعمة و الأشربة، أبواب الأطعمة المحرّمة، الباب ٣٣.