تنقيح الأصول - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٣٤٣ - التنبيه الثالث اختلاف أصالة البراءة باختلاف متعلّقات الأحكام
و جعلوا الشرطيّة في مقابل البتّيّة [١]، و لا تنحلّ القضايا الحقيقيّة إلى الشرطيّة، و ليس ذلك مقصوداً و مراداً للمحقّقين من المنطقيّين أيضاً.
و بالجملة: لا فرق بين القضيّة الحقيقيّة و الخارجيّة في أنّ كلّ واحدة منهما من القضايا البتّيّة لا الشرطيّة، بل الفرق بينهما إنّما هو في أنّ الموضوع في الحقيقيّة جُعِل بنحوٍ لا تنحصر أفراده في الأفراد الموجودة بالفعل فقط، بل الأعمّ من الموجودة المحقّقة و المقدّرة؛ و أنّ المراد كلّما لو وجد فرد منه و لو بعد أزمنة كثيرة ينطبق عليه ذلك الموضوع، و يترتّب عليه الحكم، مثل «النار حارّة»، و مثل «لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» [٢]، فمتى تحقّق عنوان المستطيع إلى يوم القيامة، و وجد فرد منه، و صدق عليه عنوانه، يترتّب عليه وجوب الحجّ، فحيث إنّ الموضوع فيها كذلك قالوا: إنّها في قوّة قضيّة شرطيّة، لا إنّها قضيّة شرطيّة حقيقة، بخلاف القضايا الخارجيّة، فإنّ الموضوع فيها عنوان لا ينطبق إلّا على الأفراد الموجودة المحقّقة خارجاً بالفعل فقط، مثل: «قُتل مَن في العسكر».
فما ذكره (قدس سره) من الوجه لجريان البراءة العقليّة في الشبهات الموضوعيّة لا يخلو عن الإشكال، بل الوجه فيه ما ذكرناه.
هذا كلّه فيما لو تعلّق الحكم بالأفراد بنحو الاستغراق.
و أمّا لو تعلّق بمجموع الأفراد فلا ريب في أنّ الامتثال في مثل «أكرم مجموع العلماء» إنّما يتحقّق بإكرامهم جميعاً؛ بحيث لو ترك واحداً منهم لمّا حصل الامتثال أصلًا و إن أكرم الباقين منهم، و يتحقّق العصيان بذلك، و مع إكرام جميعهم يترتّب عليه مثوبة واحدة.
و هذا ممّا لا إشكال فيه.
[١]- شرح المنظومة (قسم المنطق): ٤٦ و ٥٠.
[٢]- آل عمران (٣): ٩٧.