تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥٨٨ - سنه خمس و ستين
قال ابو مخنف: عن عبد الجبار- يعنى ابن عباس الهمدانى- عن عون ابن ابى جحيفه السوائى، قال: ثم ان عبد الله بن يزيد و ابراهيم بن محمد ابن طلحه عرضا على سليمان ان يقيم معهما حتى يلقوا جموع اهل الشام على ان يخصاه و اصحابه بخراج جوخى خاصه لهم دون الناس، فقال لهما سليمان: انا ليس للدنيا خرجنا، و انما فعلا ذلك لما قد كان بلغهما من اقبال عبيد الله بن زياد نحو العراق و انصرف ابراهيم بن محمد و عبد الله بن يزيد الى الكوفه، و اجمع القوم على الشخوص و استقبال ابن زياد، و نظروا فإذا شيعتهم من اهل البصره لم يوافوهم لميعادهم و لا اهل المدائن، فاقبل ناس من اصحابه يلزمونهم، فقال سليمان: لا تلزموهم فانى لا اراهم الا سيسرعون إليكم، لو قد انتهى اليهم خبركم و حين مسيركم، و لا اراهم خلفهم و لا اقعدهم الا قله النفقة و سوء العده، فأقيموا ليتيسروا و يتجهزوا و يلحقوا بكم و بهم قوه، و ما اسرع القوم في آثاركم قال: ثم ان سليمان بن صرد قام في الناس خطيبا، فحمد الله و اثنى عليه، ثم قال:
اما بعد ايها الناس، فان الله قد علم ما تنوون، و ما خرجتم تطلبون، و ان للدنيا تجارا، و للآخرة تجارا، فاما تاجر الآخرة فساع إليها، متنصب بتطلابها، لا يشترى بها ثمنا، لا يرى الا قائما و قاعدا، و راكعا و ساجدا، لا يطلب ذهبا و لا فضه، و لا دنيا و لا لذة، و اما تاجر الدنيا فمكب عليها، راتع فيها، لا يبتغى بها بدلا، فعليكم يرحمكم الله في وجهكم هذا بطول الصلاة في جوف الليل، و بذكر الله كثيرا على كل حال، و تقربوا الى الله جل ذكره بكل خير قدرتم عليه، حتى تلقوا هذا العدو و المحل القاسط فتجاهدوه، فان تتوسلوا الى ربكم بشيء هو اعظم عنده ثوابا من الجهاد و الصلاة، فان الجهاد سنام العمل جعلنا الله و إياكم من العباد الصالحين، المجاهدين الصابرين على اللأواء! و انا مدلجون الليلة من منزلنا هذا ان شاء الله فادلجوا.
فادلج عشيه الجمعه لخمس مضين من شهر ربيع الآخر سنه خمس و ستين للهجره