تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٢٣ - الجد في الحرب و القتال
لما اجتمع اليه عظم من كان انهزم عن الميمنه حرضهم، ثم قال: عضوا على النواجذ من الاضراس، و استقبلوا القوم بهامكم، و شدوا شده قوم موتورين ثارا بابائهم و إخوانهم، حناقا على عدوهم، قد وطنوا على الموت انفسهم كيلا يسبقوا بوتر، و لا يلحقوا في الدنيا عارا، و ايم الله ما و تر قوم قط بشيء أشد عليهم من ان يوتروا دينهم، و ان هؤلاء القوم لا يقاتلونكم الا عن دينكم ليميتوا السنه، و يحيوا البدعة، و يعيدوكم في ضلاله قد اخرجكم الله عز و جل منها بحسن البصيره فطيبوا عباد الله أنفسا بدمائكم دون دينكم، فان ثوابكم على الله، و الله عنده جنات النعيم و ان الفرار من الزحف فيه السلب للعز، و الغلبه على الفيء، و ذل المحيا و الممات، و عار الدنيا و الآخرة.
و حمل عليهم حتى كشفهم، فالحقهم بصفوف معاويه بين صلاه العصر و المغرب، و انتهى الى عبد الله بن بديل و هو في عصبه من القراء بين المائتين و الثلثمائه، و قد لصقوا بالأرض كأنهم جثا فكشف عنهم اهل الشام، فابصروا إخوانهم قد دنوا منهم، فقالوا: ما فعل امير المؤمنين؟ قالوا: حي صالح في الميسره، يقاتل الناس امامه، فقالوا: الحمد لله، قد كنا ظننا ان قد هلك و هلكتم و قال عبد الله بن بديل لأصحابه: استقدموا بنا، فأرسل الاشتر اليه: الا تفعل، اثبت مع الناس فقاتل، فانه خير لهم و ابقى لك و لأصحابك فأبى، فمضى كما هو نحو معاويه، و حوله كأمثال الجبال، و في يده سيفان، و قد خرج فهو امام اصحابه، فاخذ كلما دنا منه رجل ضربه فقتله، حتى قتل سبعه، و دنا من معاويه فنهض اليه الناس من كل جانب، و احيط به و بطائفة من اصحابه، فقاتل حتى قتل، و قتل ناس من اصحابه، و رجعت طائفه قد جرحوا منهزمين، فبعث الاشتر ابن جمهان الجعفى فحمل على اهل الشام الذين يتبعون من نجا من اصحاب ابن بديل حتى نفسوا عنهم، و انتهوا الى الاشتر، فقال لهم: ا لم يكن رأيي لكم خيرا من رأيكم لأنفسكم! ا لم آمر كم ان تثبتوا مع الناس! و كان معاويه قال لابن بديل و هو