تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٤٧٥ - ذكر سبب عزل يزيد عمرو بن سعيد عن المدينة و توليته عليها الوليد بن عتبة
كان الله عز و جل لم يطلع على الغيب أحدا انه مقتول، و لكنه اختار الميته الكريمه على الحياه الذميمه، فرحم الله حسينا، و اخزى قاتل حسين! لعمري لقد كان من خلافهم اياه و عصيانهم ما كان في مثله واعظ و ناه عنهم، و لكنه ما حم نازل، و إذا اراد الله امرا لن يدفع ا فبعد الحسين نطمئن الى هؤلاء القوم و نصدق قولهم و نقبل لهم عهدا! لا، و لا نراهم لذلك أهلا، اما و الله لقد قتلوه طويلا بالليل قيامه، كثيرا في النهار صيامه، أحق بما هم فيه منهم و اولى به في الدين و الفضل، اما و الله ما كان يبدل بالقرآن الغناء، و لا بالبكاء من خشيه الله الحداء، و لا بالصيام شرب الحرام، و لا بالمجالس في حلق الذكر الركض في تطلاب الصيد- يعرض بيزيد- فسوف يلقون غيا.
فثار اليه اصحابه فقالوا له: ايها الرجل اظهر بيعتك، فانه لم يبق احد إذ هلك حسين ينازعك هذا الأمر و قد كان يبايع الناس سرا، و يظهر انه عائذ بالبيت، فقال لهم: لا تعجلوا- و عمرو بن سعيد بن العاص يومئذ عامل مكة، و قد كان أشد شيء عليه و على اصحابه، و كان مع شدته عليهم يدارى و يرفق- فلما استقر عند يزيد بن معاويه ما قد جمع ابن الزبير من الجموع بمكة، اعطى الله عهدا ليوثقنه في سلسله، فبعث بسلسله من فضه، فمر بها البريد على مروان بن الحكم بالمدينة، فاخبر خبر ما قدم له و بالسلسلة التي معه، فقال مروان:
خذها فليست للعزيز بخطه* * * و فيها مقال لامرئ متضعف
ثم مضى من عنده حتى قدم على ابن الزبير، فاتى ابن الزبير فاخبره بممر البريد على مروان، و تمثل مروان بهذا البيت، فقال ابن الزبير: لا و الله لا أكون انا ذلك المتضعف، و رد ذلك البريد ردا رقيقا.
و علا امر ابن الزبير بمكة، و كاتبه اهل المدينة، و قال الناس: اما إذ هلك الحسين(ع)فليس احد ينازع ابن الزبير