تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥٩٩ - سنه خمس و ستين
فينا و يقول: أبشروا عباد الله بكرامة الله و رضوانه، فحق و الله لمن ليس بينه و بين لقاء الأحبة و دخول الجنه و الراحة من ابرام الدنيا و أذاها الا فراق هذه النفس الإمارة بالسوء ان يكون بفراقها سخيا، و بلقاء ربه مسرورا، فمكثنا كذلك حتى أصبحنا، و اصبح ابن نمير و ادهم بن محرز الباهلى في نحو من عشره آلاف، فخرجوا إلينا، فاقتتلنا اليوم الثالث يوم الجمعه قتالا شديدا الى ارتفاع الضحى ثم ان اهل الشام كثرونا و تعطفوا علينا من كل جانب، و راى سليمان بن صرد ما لقى اصحابه، فنزل فنادى:
عباد الله، من اراد البكور الى ربه، و التوبة من ذنبه، و الوفاء بعهده، فالى، ثم كسر جفن سيفه، و نزل معه ناس كثير، فكسروا جفون سيوفهم، و مشوا معه، و انزوت خيلهم حتى اختلطت مع الرجال، فقاتلوهم حتى نزلت الرجال تشتد مصلته بالسيوف، و قد كسروا الجفون، فحمل الفرسان على الخيل و لا يثبتون، فقاتلوهم و قتلوا من اهل الشام مقتله عظيمه، و جرحوا فيهم فأكثروا الجراح فلما راى الحصين بن نمير صبر القوم و بأسهم، بعث الرجال ترميهم بالنبل، و اكتنفتهم الخيل و الرجال، فقتل سليمان بن صرد (رحمه الله)، رماه يزيد بن الحصين بسهم فوقع، ثم وثب ثم وقع، قال: فلما قتل سليمان بن صرد أخذ الراية المسيب بن نجبه، و قال لسليمان بن صرد: رحمك الله يا أخي! فقد صدقت و وفيت بما عليك، و بقي ما علينا، ثم أخذ الراية فشد بها، فقاتل ساعه ثم رجع، ثم شد بها فقاتل ثم رجع، ففعل ذلك مرارا يشد ثم يرجع، ثم قتل (رحمه الله).
قال ابو مخنف: و حدثنا فروه بن لقيط، عن مولى للمسيب بن نجبه الفزارى، قال: لقيته بالمدائن و هو مع شبيب بن يزيد الخارجي، فجرى الحديث حتى ذكرنا اهل عين الورده.
قال هشام عن ابى مخنف، قال: حدثنا هذا الشيخ، عن المسيب بن نجبه، قال: و الله ما رايت اشجع منه إنسانا قط، و لا من العصابة التي كان فيهم، و لقد رايته يوم عين الورده يقاتل قتالا شديدا، ما ظننت ان