بداية الوصول في شرح كفاية الأصول - آل راضي، الشيخ محمد طاهر - الصفحة ٢٥٩ - حقيقة النسخ
و استمرار، و ذلك لان النبي (صلى الله عليه و آله) الصادع للشرع، ربما يلهم أو يوحى إليه أن يظهر الحكم أو استمراره مع اطلاعه على حقيقة الحال، و أنه ينسخ في الاستقبال، أو مع عدم اطلاعه على ذلك، لعدم إحاطته بتمام ما جرى في علمه تبارك و تعالى، و من هذا القبيل لعله يكون أمر إبراهيم بذبح إسماعيل (١). و حيث عرفت أن النسخ بحسب
نسخه فقبل ان يبدو له- تعالى- نسخه لم يكن له علم بان امد الحكم ينتهي الى زمان النسخ و يكون قبل البداء في نسخه جاهلا بما يصير اليه الحكم من النسخ تعالى قدسه عن ذلك علوا كبيرا.
الثالث: ان الاحكام تابعة للمصالح و المفاسد في متعلقاتها، و حينئذ فان كان ملاك الحكم موجود فلا يعقل نسخه و ان كان غير موجود فلا يعقل ان يكون منسوخا، لان النسخ هو الرفع واقعا و الرفع واقعا يستلزم مرفوعا واقعا، فهذه المحالات الثلاثة انما تلزم حيث يكون النسخ هو رفع الحكم الثابت واقعا.
و اما اذا كان النسخ ليس رفع الحكم واقعا و ثبوتا و انما هو رفع له اثباتا و دفع ثبوتا: أي انه حيث كان الظاهر هو استمرار الحكم فالدليل الناسخ قد دل على رفع ما كان ظاهره الاستمرار، و لكنه في الواقع حيث كان امد الحكم منتهيا فالنسخ في مرحلة الواقع و الثبوت دفع لما كان ظاهره الاستمرار لا رفع للحكم الثابت، لانه في الحقيقة لا حكم واقعا لانتهاء امده، و الى هذا اشار بقوله: «فاعلم ان النسخ و ان كان رفع الحكم الثابت اثباتا» بحسب مقام الاثبات «إلّا انه في الحقيقة دفع الحكم ثبوتا».
(١) حاصله: انه يبقى السؤال بانه اذا لم يكن الحكم ثابتا واقعا لمصلحة مستمرة في متعلق الحكم فلم اظهره بعنوان الدوام و الاستمرار؟
و الجواب عنه ان اظهار الدوام و الاستمرار لمصلحة و حكمة قد اقتضت ذلك، و هذا الاظهار ربما يكون النبي (صلى الله عليه و آله و سلّم) المبلغ لاحكامه تعالى مطلعا على انتهائه، و لكنه