الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء(ع) - الأنصاري الزنجاني، إسماعيل - الصفحة ٥٢٧ - المتن
فتغشّى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) الوحي و نزل على صدره سورة آل عمران إلى قوله رأس الستّين منها: «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ». [١] فقصّ عليهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) القصة و تلا عليهم القرآن. فقال بعضهم لبعض: قد و اللّه أتاكم بالفصل من خبر صاحبكم.
و قال لهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إن اللّه قد أمرني بمباهلتكم. فقالوا: إذا كان غدا باهلناك. فقال القوم بعضهم لبعض: حتى ننظر بمن يباهلنا غدا؛ بكثرة أتباعه من أوباش الناس أم بأهله الصفوة و الطهارة؟ فإنهم وشيج الأنبياء و موضع بهلهم.
فلما كان من غد، غدا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، بيمينه علي (عليه السلام) و بيساره الحسن و الحسين (عليهما السلام) و من ورائهم فاطمة (عليها السلام)، عليهم الحلل النجرانية و على كتف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كساء قطواني رقيق خشن ليس بكثيف و لا ليّن. فأمر بشجرتين فكسح ما بينهما و نشر الكساء عليهما و أدخلهم تحت الكساء و أدخل منكبه الأيسر معهم تحت الكساء معتمدا على قوسه النبع، و رفع يده اليمنى إلى السماء للمباهلة و أشرف الناس ينظرون.
و اصفرّ لون السيد و العاقب و زلزلا حتى كاد أن يطيش عقولهما، فقال أحدهما لصاحبه: أ نباهله؟ قال: أو ما علمت أنه ما باهل قوم قط نبيا فنشأ صغيرهم و بقى كبيرهم، و لكن أره أنك غير مكترث و أعطه من المال و السلاح ما أراد فإن الرجل محارب، و قل له: أ بهؤلاء تباهلنا لئلا يرى أنه قد تقدّمت معرفتنا بفضله و فضل أهل بيته؟
فلما رفع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يده إلى السماء للمباهلة، قال أحدهما لصاحبه: أيّ رهبانية؟ [٢] دارك الرجل، فإنه إن فاه ببهلة لم نرجع إلى أهل و لا مال. فقالا: يا أبا القاسم! أ بهؤلاء تباهلنا؟ قال: نعم، هؤلاء أوجه من على وجه الأرض بعدي إلى اللّه وجهة و أقربهم إليه
[١]. سورة آل عمران: الآية ٦١.
[٢]. قيل: وا رهباناه.