الحاشية على قوانين الأصول - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٤٦ - قوله ملكة فى النفس تمنعها
و عن المحاسن الى المساوى و عن المحامد الى الذمائم و يمكن ان يراد به الطريقة المستوية بالقياس الى حدود اللّه من فرائضه و محارمه باعتبار عدم ميله و تجاوزه عنها بالاخلال بالفرائض و ارتكاب المحارم و هذا كما ترى لا يغاير بالذات ما ستعرفه من المعنى العرفى الفقهائى بل متحدان ذاتا و يتغايران بالاجمال و التفصيل كالانسان و الحيوان الناطق
[معنى العدالة]
قوله و امّا عرف الفقهاء و الاصوليّين
و تخصيصه بعرف الفقهاء و الأصوليّين باعتبار انهم المتعرّضون للبيان التفصيلى لمعنى العدالة حيث اضيفت الى الانسان فان العدالة بمعنى الاستقامة اى الحالة المتوسّطة و الطريقة المستقيمة فى الانسان ان يكون له ملكة تمنعه من ارتكاب الكبائر و الاصرار على الصّغائر كما اومأنا اليه سابقا و ليس معناه انه اصطلاح خاصّ لهم حصل بالنقل و فى ذلك تنبيه على عدم كونها فى هذا المعنى من الحقائق الشرعيّة و لا المتشرعية و نسبته الى الشرع كما فى كلام غير واحد لعلّها من جهة ان المتعرّضين لبيانه و تعريفه من اهل الشرع او لان الشارع لاحظه و رتّب عليه احكاما كما فى ساير الموضوعات اللّغوية او العرفية و على هذا فالعدالة مبقاة على ما كانت عليه لغة غاية الامر انّها حيثما تطلق على عدالة الانسان كان من اطلاق الكلّى على الفرد و هذا غير بعيد نظرا الى الاصل ان لم يشكل الحال فيه من جهة امكان دعوى ظهور الاستقامة و الاستواء فى معنى العدالة لغة فى الحسّيّين منهما و ليست الملكة الموجودة فى الانسان حسّيّة فلا بد من التزام النقل و لا يكون الا شرعيّا لكون المعنى المنقول اليه المغاير للمعنى اللغوى ممّا من شانه ان يؤخذ من الشارع و قد اخذ منه بواسطة الروايات الواردة فيه فدعوى ثبوت الحقيقة الشرعيّة كما فيه جزم به شيخنا قده فى جواهره و نسبه فى مفتاح الكرامة الى صريح جماعة لا تخلو عن قوّة و يؤيّدها انّه لا يهتدى الى المعنى المذكور اكثر المتشرّعة و لا سيّما العوام و النّسوان الا من جهة تقليدهم لفقهائهم كسائر الموضوعات الشرعيّة و الفقهاء لم يعرفوه الا من جهة الاخبار و ما هذا شانه لا يكون الا حقيقة شرعيّة الا ان يدفع بمنع اختصاص المعنى اللّغوى فى الحسّى و ان تمام حقيقة ذلك المعنى كثيرا ما يخفى على انظار اهل العرف فيكشف عنه الشارع المطّلع على خفايا الامور
قوله ملكة فى النفس تمنعها
اعتبار الملكة فى معنى العدالة المعتبرة فى الشرع هو المشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة كادت تكون اجماعا كما فى كلام غير واحد و عن مجمع البرهان انه مشهور بين العامة و الخاصّة فى الاصول و الفروع و عن الفاضل المقداد فى كنز العرفان ما يؤذن بدعوى الاجماع عليه حيث نسبه الى الفقهاء و هذا هو الصّحيح الذى لا محيص عنه و الاصل فيه بعد الاصل و الاعتبار صحيحة ابن ابى يعفور على ما قرّرناه فى توجيه الاستدلال بها فى رسالتنا المتفرّدة فى العدالة و اعلم انه لا يراد بالملكة هنا ما يكون جبلّة فى الانسان بحسب الخلقة الالهيّة بل الهيئة الراسخة فى النفس المستند رسوخها فيها الى نحو من الكسب و لا تكون هذه الهيئة الا الخوف من اللّه سبحانه او الحياء منه و الاوّل اضطراب قلب يعترى الانسان لعلمه بعذابه تعالى و عقابه و انّهما يستحقّ بهما لمعصيته و الخروج عن طاعته و الاصل الخوف بهذا المعنى الايمان باللّه و وعده و وعيده و بكونه صادق الوعد و بما جاء به النبى ص و بالجنة و النار و بكونهما جزاءين على الطاعة و المعصية و فرعه الحذر من الاقتحام فى المعاصى و الآثام و من شروط تاثيره فى حصول الحذر تذكر وعيده و عذابه و من موانعه الغفلة او غلبة الشهوة و هوى النفس و له مراتب متكثرة متحدة الذات مختلفة الصفات بحسب الشدة و الضّعف و اوّل مراتبه خوف من يغلب عليه الشهوة و هوى النفس الى ان يقع صاحبه فى الاثم و أخر مراتبه مرتبة العصمة التى لا يعترى على صاحبها غفلة و لا غلبة شهوة و لا متابعة هوى طرفة عين ابدا و بينهما متوسّطات و منشأ هذا الاختلاف اختلاف مراتب الايمان قوّة و ضعفا و لذا قيل اخوف الناس لربّه اعرفهم بربّه و بنفسه و يشهد له النبوىّ انا اخوفكم للّه و قال الصادق ع من عرف اللّه خاف اللّه و من ذلك يعلم وجه الحصر فى قوله تعالى و انّما يخشى اللّه من عباده العلماء فان ذلك لكمال معرفتهم بالقياس الى غيرهم و فى الدعاء عجبا لمن عرفك كيف لا يخافك فكلّما ضعف الايمان ضعف الخوف و كلّما قوى قوى و امّا الثانى فهو عبارة عن تغيّر و انفعال يعترى الانسان عند حضور ذى شان مطّلع عليه و على خطيئة لو وقع فيها يعاقب او يذمّ عليها و اصله فيما بينه و بين الربّ الايمان به و بقدرته و علمه به و بفعله و انه لا يغرب عن علمه مثقال ذرّة فى السّماء و لا فى الارض و اثره الامتناع و التثبّط عن الاقدام على ما هو متهيّا للاقدام عليه استقباحا له و مخافة ان يعيبه يذمّه عليه الربّ الجليل الصادق فى وعده