الحاشية على قوانين الأصول - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٣٧ - قوله غير التخيير فى اختيار احد المدلولين
من ان الاصل العملى لا نظر فيه الى الواقع و ان اريد به ما هو بحسب الظاهر اعنى كونه حكما ظاهريّا فمنع كونه قطعيّا مع تسليم قطعية حكم العقل يؤدّى الى التّناقض لان مقتضاء بعينه جزئى من جزئيات حكم العقل بناء على ما حققناه سابقا من ان اصل البراءة يراد به قاعدة البراءة و مؤداها الذى هو الحكم الكلى العقلى خلوّ ذمة المكلف الجاهل بالحكم الواقعى بوصف كونه جاهلا عن التكليف الالزامى المشكوك فيه ايجابا او تحريما و لو اريد بمنع قطعية مقتضاه منع قطعية حكم العقل بالبراءة كما ربما يشعر به قوله كما لا يخفى على من لاحظ ادلة المثبتين و النافين من العقل و النقل ففيه انه راجع الى انكار حكومة العقل بالبراءة فى مواردها رأسا لانه اما لا يحكم بها اصلا و لا بدّ و ان يكون حكمه قطعيّا لان من دابه انه فى قضيّة حكمه ما لم يسدّ باب الاحتمال بجميع انحائه لا تحكم بشيء كما يشير اليه القضيّة المشتهرة من انه اذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال نظرا الى ان موردها الاستدلالات العقلية نعم كون النقل القائم باصل البراءة و هو عمومات الاخبار و غيرها ظنيّا مسلّم لظنية دلالته لكن كلام المورد ليس عليه كما هو واضح
قوله فالعلم بان فيه احكاما اجمالية بعنوان اليقين يثبّطنا
اى يردعنا و هذا هو الجواب الموافق للصّواب على ما اشرنا اليه سابقا و محصّله ان العلم الاجمالى بعد ورود الشرع بوجود احكام الزامية من ايجابات و تحريمات فيما بين الاحكام الشرعية مانع من العمل بالاصل فى جميع الوقائع المظنونة و المشكوكة و الموهومة لانه يؤدى الى المخالفة القطعية مضافا الى لزوم الهرج و المرج فى الدين و الخروج عن شريعة سيّد المرسلين
قوله و لكن لا نسلمّ حصول القطع بعد ورود الخبر الواحد الصحيح فى خلافه
فيه ان ورود الخبر الصحيح مع عدم الحجيّة و الاعتبار كما هو المفروض بمنزلة عدمه لوضوح ان الظن الغير المعتبر او الامارة الغير المعتبرة لا يصلح مقيّدا لادلة الاصل كائنة ما كانت لانها مقيّدة بعدم وجود الدليل القطعى او الدليل المعتبر الذى ثبت اعتباره بالدليل القطعى فما لا دليل على اعتباره اصلا مع عدم كونه قطعيّا فى نفسه فوجوده بمنزلة عدمه فالاصل باق على موضوعه و هو الشك نظرا الى انه اعم من الظن الغير المعتبر المخالف لمؤدّى الاصل او الموافق له
قوله ان اراد نفى الوجوب مع عدم الحكم بالاستحباب
يمكن دفعه باثبات الواسطة و هو ان المراد نفيه من دون نفى الاستحباب و لا اثباته فالرجحان المعلوم المردّد بينهما باق على حاله و يجوز الاتيان بغسل الجمعة بداعى هذا الرجحان و يكون صحيحا و هذا هو معنى ما اشتهر من كفاية نية القربة المطلقة فى صحة العبارة و ذلك لان الاصل النافى للوجوب ليس معناه كونه نافيا للوجوب الواقعىّ لانه ليس متعرّضا للواقع بنفى و لا اثبات بل معناه نفى التكليف الالزامى الشاغل لذمة المكلف و مرجعه الى افادة خلوّ ذمّة المكلّف عن التكليف الالزامى الفعلى فالواقع المردّد بين الوجوب و الاستحباب على حاله فيكون الرجحان بينهما المردّد قطعى الثبوت بحسب الواقع و لا يلزم منه بقاء الجنس مع انتفاء الفصل لعدم انتفاء الفصل الواقعى على تقدير كون الحكم الواقعى هو الوجوب لعدم توجّه النفى الى الوجوب الواقعى فهو على التقدير المذكور باق بجنسه و فصله
قوله ان اراد ان التخيير الذى هو فى معنى اصل البراءة
فان هذا التخيير انما يلتزم به بعد تعارض الدليلين و تساقطهما و انما كان فى معنى اصل البراءة لانه عبارة عن براءة ذمة المكلّف عن تعيين احد الامرين من الجهر او الاخفات الملازم للضيق الذى يتضمّنه الوجوب التعيينى و هذا هو معنى كون مدرك التخيير فى مسئلة دوران الامر بين الوجوب التعيينى و الوجوب التخييرى اصل البراءة و الفرق بين هذا التخيير و التخيير بالمعنى الثانى من وجوه الاول باعتبار المدرك من الاصل و اخبار التخيير الواردة فى علاج التعارض الثانى كون الاول تخييرا فى المسألة الفرعية و هو التخيير بين الجهر بالتسمية و الاخفات بها و الثانى تخييرا فى المسألة الاصولية و هو التخيير بين العمل بالخبر الدال على الوجوب و العمل بالخبر الدال على الاستحباب على معنى جواز اختيار كل منهما للعمل اى الاخذ بمؤدّاه على انه حكم اللّه الفعلى و الثالث كون الاوّل استمراريّا و الثانى بدويّا لان اختيار احدهما للعمل معين له و ملزم للعمل به دائما و لا يجوز معه العدول الى العمل بالآخر و هذا هو معنى ما يذكره فيما بعد من ان بعد ثبوت التخيير ايضا يثبت به حكم جزما
قوله غير التخيير فى اختيار احد المدلولين
هذا مبنى على المسامحة لان التخيير فى المسألة الفرعية الذى يثبت باصل البراءة تخيير بين الفعلين و هما الجهر بالتسمية او الإخفات بها فالتعبير عنهما بالمدلولين و هما وجوب الجهر بعينه و وجوب الإخفات كذلك ليس على الحقيقة فان مرجع التخيير فى المسألة الفرعية الى نفى التعيين فكيف يكون تخييرا فى اختيار احد