التنقيح - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٤٤٠ - الخامس أصالة البراءة
أ لا ترى الفرق الواضح بين العلم بوجود السم في أحد إناءين أو واحد من ألفي إناء؟ و كذلك بين قذف أحد الشخصين لا بعينه و بين قذف واحد من أهل البلد؟ فإن الشخصين كليهما يتأثران بالأول و لا يتأثر الاحتياط مستلزم لنحو من المشقة و المشاكل التي هي محذور يزاحم به الضرر المعلوم بالإجمال، و لا مجال لذلك في ضرر العقاب، لأهميته الموجبة لتحمل أعظم المشاكل في سبيل الخلاص منه.
مع أنه لو فرض تجويز العقل الإقدام عليه فهو لا يقتضي الأمان منه، و لا يكون عذرا رافعا لأثر البيان و مصححا لجريان البراءة مع فرض العلم الإجمالي، إذ العقل إنما يجوز فرضا الإقدام على الضرر، و لا يحكم بعدم الضرر، كما هو الحال في الأضرار التكوينية التي أشار اليها المصنف (قدّس سرّه) فلا يصلح ذلك المنع من العقاب حتى تجري البراءة. و لذا قلنا إن دفع الضرر مما يسعى له من يريد الأمان لنفسه و لو لم نقل بالتحسين و التنقيح العقليين، كما سبق في الدليل العقلي الأول لحجية مطلق الظن.
الثاني: أن كثرة الأطراف تمنع من منجزية العلم الإجمالي ابتداء، و مع عدم تنجز التكليف الواقعي بقبح العقاب عليه، لعدم البيان، الذي لا يراد به إلا المنجز، فلا موضوع معه لقاعدة وجوب دفع الضرر، لعدم الضرر، لا لضعف احتماله، و حينئذ لا مجال لشيء من الإشكالات السابقة.
و فيه: أن حجية العلم الإجمالي كسائر أفراد العلم ذاتية وجدانية، من دون فرق بين كثرة الأطراف و قلتها، و إنكارها إنكار للوجدان يتعذر معه إقامة البرهان.
ثم إن مقتضى ذكر المصنف (قدّس سرّه) للمقدمة العلمية و لقاعدة دفع الضرر المحتمل و لضعف الاحتمال و تنظيره بمثال السم المشتبه بين أطراف كثيرة إرادة الوجه الأول، و مقتضى بعض التفريعات التي ذكرها- مثل ما يأتي في التنبيه الاول- إرادة الوجه الثاني. فتأمل جيدا.