التنقيح - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٢٣٢ - كلام المحدث الاسترآبادي
ثم أقول: هذا المقام مما زلت فيه أقدام أقوام من فحول العلماء، فحري بنا أن نحقق المقام و نوضحه بتوفيق الملك العلام و دلالة أهل الذكر (عليهم السلام)، فنقول: التمسك بالبراءة الأصلية إنما يتم عند الأشاعرة المنكرين للحسن و القبح الذاتيين، و كذلك عند من يقول بهما و لا يقول بالحرمة و الوجوب الذاتيين ١، كما هو المستفاد من كلامهم (عليهم السلام)، و هو الحق عندي.
ثم على هذين المذهبين إنما يتم قبل إكمال الدين لا بعده، إلا على مذهب من جوز من العامة خلو الواقعة عن حكم وارد من اللّه تعالى.
لا يقال: بقي هنا أصل آخر، و هو أن يكون الخطاب الذي ورد من اللّه تعالى موافقا للبراءة الأصلية.
لأنا نقول: هذا الكلام مما لا يرضى به لبيب، لأن خطابه تعالى تابع للحكم و المصالح، و مقتضيات الحكم و المصالح مختلفة. إلى أن قال:
هذا الكلام مما لا يرتاب في قبحه، نظير أن يقال: الأصل في الأجسام تساوي نسبة طبائعها إلى جهة السفل و العلو، و من المعلوم بطلان هذا المقال.
(١) كأنه من جهة أنه على القول بكون الوجوب و الحرمة ذاتيين لا يعلم بسبق البراءة و عدم الوجوب، بخلاف ما لو قيل بأنهما غير ذاتيين، بل حادثين بجعل الشارع الأقدس إما تبعا للحسن و القبح، أو ابتداء، فإنه يعلم بالبراءة حينئذ فيمكن استصحابها.
و فيه: أن استصحاب البراءة ليس بلحاظ ما قبل الشريعة، بل بلحاظ حال ما قبل التكليف، كحال الصغر للعلم بعدم التكليف معه مطلقا قيل يكون الأحكام ذاتية أولا. اللهم إلا أن يستشكل في الاستصحاب حينئذ بعدم بقاء الموضوع. و هو مبني على مسألة تحديد موضوع الاستصحاب.