التنقيح - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٢٠١ - تقرير التوهم بوجه آخر
و أما الضرر الغير الأخروي، فوجوب دفع المشكوك منه ممنوع ١، و آية «التهلكة» مختصة بمظنة الهلاك ٢، و قد صرح الفقهاء في باب المسافر: بأن سلوك الطريق الذي يظن معه العطب معصية، دون مطلق ما يحتمل فيه ذلك. و كذا في باب التيمم و الإفطار لم يرخصوا إلا مع ظن الضرر الموجب لحرمة العبادة دون الشك.
نعم، ذكر قليل من متأخري المتأخرين انسحاب حكم الإفطار و التيمم مع الشك أيضا ٣، لكن لا من جهة حرمة ارتكاب مشكوك الضرر، بل لدعوى تعلق الحكم في الأدلة بخوف الضرر ٤ الصادق، مع الشك، بل مع بعض أفراد الوهم أيضا.
لكن الإنصاف: إلزام العقل بدفع الضرر المشكوك فيه كالحكم و بعبارة أخرى: حكم العقل بوجوب البيان على الشارع تارة: يكون بملاك وجوب حفظ الملاكات الواقعية و حرمة تفويتها. و أخرى: يكون بملاك قبح العقاب بدونه و وجود المصلحة في عدم البيان أو المفسدة المانعة من البيان إنما يزاحم الملاك الأول و يرفع تأثيره، لا الثاني.
(١) عرفت أنه يكفي فيه الخوف الحاصل مع الشك، بل مطلق الاحتمال المعتد به، إلا أنه يختص بضرر النفس أو الطرف.
(٢) سبق الكلام في الآية الشريفة في الدليل العقلي الأول على حجية مطلق الظن. و على كل حال لا وجه لتخصيصها بمظنة الهلاك، و أن تعم احتمال أن تختص بصورة اليقين به.
(٣) قال سيدنا الأعظم (قدّس سرّه) في فصل شرائط صحة الصوم من مستمسكه: «كما يقتضيه إطلاق الأكثر للخوف».
(٤) كما أشرنا إليه. و يقتضيه النظر في النصوص و الفتاوى.