التنقيح - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٨٦ - الوجه الثالث الإجماع العملي
الرابع من الأدلة: حكم العقل بقبح العقاب على شيء من دون بيان التكليف.
و يشهد له: حكم العقلاء كافة بقبح مؤاخذة المولى عبده على فعل ما يعترف بعدم إعلامه أصلا بتحريمه ١.
و دعوى: أن حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل بيان عقلي فلا يقبح بعده المؤاخذة، مدفوعة: بأن الحكم المذكور على تقدير ثبوته لا يكون بيانا للتكليف المجهول المعاقب عليه، و إنما هو بيان لقاعدة كلية ظاهرية ٢ و إن لم يكن في مورده تكليف في الواقع، فلو تمت عوقب على
(١) الاعتراف بعدم الإعلام لا دخل له إلا من حيث استلزامه للغفلة، أو من حيث كشفه عن عدم بلوغ الحكم إلى مرتبة الفعلية، أو رجوعه إلى تقصير المولى في بيان التكليف.
و الأولان يقبح العقاب معهما قطعا حتى عند القائل بوجوب الاحتياط في ما نحن فيه، فلو لم يستلزم عدم الاعلام أحد الأمرين المذكورين فهو كسائر موارد الجهل، و ليس أوضح من غيره حتى يتسنى الاحتجاج به.
و الثالث- مع أنه غير مطرد لإمكان تعذر البيان على المولى- لا دخل له بقبح العقاب، فإن تقصير المولى في حفظ غرضه و قبح ذلك منه لا ينافي وجوب الاحتياط على العبد و حسن عقابه على المخالفة. فالعمدة أن دعوى قبح العقاب بلا بيان قطعية اتفاقية لا تحتاج إلى استدلال و إيضاح.
(٢) فإن قاعدة دفع الضرر المحتمل لا يكون بيانا و أمارة على وجود الضرر و ثبوت التكليف، حتى يرتفع بها موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و إنما هي قاعدة ظاهرية تقتضي الحذر من الضرر بعد فرض عدم البيان، فلا يرتفع بها موضوع القاعدة.