التنقيح - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٣٨ - الاستدلال بآية
و يرد على الكل: أن غاية مدلولها عدم المؤاخذة على مخالفة النهي المجهول عند المكلف لو فرض وجوده واقعا، فلا ينافي ورود الدليل العام على وجوب اجتناب ما يحتمل التحريم، و معلوم أن القائل بالاحتياط و وجوب الاجتناب لا يقول به إلا عن دليل علمي، و هذه الآيات بعد تسليم دلالتها غير معارضة لذلك الدليل، بل هي من قبيل الأصل بالنسبة إليه ١، كما لا يخفى.
البينة، و هو لا يدل على توقف العقاب على البينة، خصوصا بعد معلومية أن المراد بالبينة هنا زيادة البيان و تأكيد الحجة، لسبق قيام الحجة قبل ذلك قطعا، لما ظهر من دلائل صدق النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): بنحو كاف في قيام الحجة على صدقه و من الظاهر أن العقاب لا يتوقف على زيادة البيان و لا على تأكيد الحجة، فهي أجنبية عما نحن فيه.
(١) كأنه من جهة أن دليل الاحتياط لما كان علميا كان رافعا لموضوع الآيات و نحوها مما دل على عدم العقاب مع الجهل.
أقول: دليل وجوب الاحتياط إنما يكون علميا بالاضافة إلى وجوب الاحتياط، لا بالإضافة إلى الواقع المجهول، فهو و إن كان منجزا للواقع لا يكون بيانا له، و من الظاهر أن وجوب الاحتياط لما كان طريقيا راجعا إلى تنجز الواقع فدليله يقتضي العقاب على الواقع في ظرف الجهل به، لا على الاحتياط المعلوم وجوبه.
و حينئذ فأدلة البراءة إن اقتضت توقف العقاب و المؤاخذة بالواقع على العلم به- كما في مثل حديث الرفع- كانت معارضة لأدلة الاحتياط لا محكومة و لا مورودة لها. و إن اقتضت توقف العقاب على تنجيز الواقع من قبل الشارع و إن بقي مجهولا كانت محكومة، بل مورودة لأدلة الاحتياط. و الظاهر أن أكثر الآيات من القسم الثاني، إذ مع بيان وجوب الاحتياط بصدق بعث الرسول و الهلاك عن بينة و نحوهما مما تضمنته الآيات، إذ لا تختص وظيفة الرسول بيان الحكم الواقعي، و كذا إقامة البينة، و لا ظهور لها في لزوم بيان الرسول لخصوص التكليف الواقعي الذي هو