التنقيح - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ١٩٩ - توهم عدم جريان قبح التكليف من غير بيان في المسألة و الجواب عنه
لم يسلم وجوبه شرعا، لأن الشارع صرح بحلية ما لم يعلم حرمته، فلا عقاب عليه ١، كيف و قد يحكم الشرع بجواز ارتكاب الضرر القطعي الغير المتعلق بأمر المعاد ٢، كما هو المفروض في الضرر المحتمل في الكلام على الاحتياط.
(١) لكن لا إشكال عندهم في منجزية احتمال الضرر إذا بلغ حدّ الخوف، بحيث كان من الاحتمالات العقلائية. فالعمدة أن وجوب دفع الضرر شرعا مختص بالنفس و الطرف- على ما قيل- و لا يحتمل شيء منهما باحتمال التكليف في المقام.
و لو فرض احتماله كان بعيدا، لا يوجب الخوف غالبا حتى يتنجز، لأن غالب المفاسد من سنخ الاضرار العامة البعيدة الأمد، التي لا دليل على وجوب دفعها.
كما أنه لا يحكم العقل بوجوب دفعها بنحو يكشف عن حكم الشرع، لما عرفت من أن حكم العقل بوجوب دفع الضرر راجع إلى أمر غريزي فطري من محافظة الإنسان على نفسه و شئونه و ليس من سنخ الأحكام الراجعة إلى التحسين و التقبيح المستتبعة للمدح و الذم و حينئذ فالغريزة و الفطرة لا تقتضي دفع المفاسد و نحوها من الأضرار المذكورة. فراجع ما سبق في الاستدلال على البراءة بحكم العقل، و في الدليل العقلي الأول على حجية مطلق الظن.
(٢) كما في باب الجهاد، حيث يقدم الإنسان فيه على خطر الموت و نحوه.
لكن هذا إنما يدل على إمكان انفكاك حكم الشرع عن حكم العقل بوجوب دفع الضرر الواقعي لو سلم، و المدعى فيما نحن فيه انفكاكهما ظاهرا، بمعنى: أن العقل قد يلزم بوجوب دفع الضرر المحتمل و لا يلزم به الشرع، كما هو مقتضي الاستدلال بما دل على حلية كل ما لم يعلم حرمته. إلا أن يستدل بما ذكره المصنف (قدّس سرّه) على ما نحن فيه من باب تنقيح المناط و نحوه.
نعم قد يشكل بأن تجويز الشارع الوقوع في الضرر في مثل الجهاد إنما هو مع التعويض في الآخرة بعظيم الثواب، و لا ينفع فيما نحن فيه، مما كان الوقوع فيه في