البديع في علم العربية - ابن الأثير، مجدالدين - الصفحة ٣٤٨ - الفرع الثالث فى أحكامه
و بدل البعض: هو البدل الحقيقيّ، دون الكلّيّ؛ لأنّ البعضىّ يخالف المبدل منه لفظا و معنى، و الكلّىّ يخالفه لفظا لا معني، و أنت إنّما تترك الشّىء إلى ما يكون مخالفا له؛ لتحصل الفائدة التى ما كانت تحصل من المتروك، فإذا تركته إلى ما هو مثله لم تكن الفائدة كثيرة، و إنّما يكون فيه ضرب من البيان، تقول: ضربت زيدا يده، فهذا بدل بعض، فإذا قلت: ضربت زيدا اليد و الرّجل جاز أن يكون بدل كل؛ لأنّ «اليد» و «الرّجل» محيطان بالجملة؛ فاستغنى بذكرهما عن ذكرها، و إذا جعلته بدل بعض كان فيه حذف العائد، و صار من باب قولهم: «السّمن منوان بدرهم» ، و سوّغ ذلك هاهنا: نيابة الألف و اللاّم مناب الضّمير، و لو قلت: ضربت زيدا اليد، لم يكن إلاّ بدل بعض/مع حذف العائد. و مثل الأوّل، قوله تعالى: وَ لاََ تَقْرَبُوا اَلْفَوََاحِشَ مََا ظَهَرَ مِنْهََا وَ مََا بَطَنَ [١] ، فاجتماع الجنسين اللّذين لا تخلو منهما الفواحش، سوّغ أن يجعل بدل كلّ.
فإن جزّأت البدل البعضيّ احتجت أن تذكر ما يوافق العدد من الأجزاء، تقول: رأيت الجمال ثلثها، إذا كانت ممّاله ثلث، و لا يجوز أن يكون عددا لا ثلث له، مثل أربعة، و هكذا باقي الأجزاء، و نحو من ذلك، أنّ الثاني إذا استغرق العدّة جاز أن يكون بدلا، و أن يقطع عن الأوّل، تقول: رأيت القوم زيدا و عمرا و خالدا، و زيد و عمرو و خالد، هذا إذا كان عدد القوم ثلاثة، فإن نقصت عن عدد القوم فالقطع، تقول: رأيت القوم زيد و عمرو، كأنّك قلت: منهم زيد و عمرو، و قريب منه ما قاله الأخفش: أن ينظر إلى الأوّل، إن جاز السكوت
[١] ١٥١/الأنعام.