الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٩٣ - نصيب و النسوة الثلاث اللاتي كن يتناشدن الشعر في المسجد الحرام
فلمّا حملت الدّين فيها و أصبحت
حيالا مسنّات [١] الهوى كدت أندم
على حين أن راث [٢] الرّبيع و لم يكن
لها بصعيد من تهامة مقضم
ثمانية للأسلميّ و ما دنا
لفحش و لا تدنو إلى الفحش أسلم
فقال له عبد العزيز: فما دينك؟ ويحك! قال: ثمانية آلاف، فأمر له بثمانية آلاف درهم. فلمّا رجع أنشد الأسلميّ الشعر فترك ماله عليه، قال: الثمانية الآلاف لك.
نصيب و النسوة الثلاث اللاتي كنّ يتناشدن الشعر في المسجد الحرام
أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني الموصليّ عن ابن أبي عبيدة قال:
/ أتى نصيب مكة فأتى المسجد الحرام ليلا. فبينما هو كذلك إذ طلع ثلاث نسوة فجلسن قريبا منه و جعلن يتحدّثن و يتذاكرن الشعر و الشعراء، و إذا هنّ من أفصح النساء و آدابهنّ. فقالت إحداهنّ: قاتل اللّه جميلا حيث يقول:
و بين الصّفا و المروتين ذكرتكم
بمختلف ما بين ساع و موجف
و عند طوافي قد ذكرتك ذكرة
هي الموت بل كادت على [٣] الموت تضعف
فقالت الأخرى: بل قاتل اللّه كثيّر عزّة حيث يقول:
طلعن علينا بين مروة و الصّفا
يمرن [٤] على البطحاء مور السحائب
فكدن لعمر اللّه يحدثن فتنة
لمختشع من خشية اللّه تائب
فقالت الأخرى: قاتل اللّه ابن الزّانية نصيبا حيث يقول:
ألام على ليلى و لو أستطيعها
و حرمة ما بين البنيّة و السّتر
لملت على ليلى بنفسي ميلة
و لو كان في يوم التّحالق و النّحر
فقام نصيب إليهنّ فسلّم عليهنّ، فرددن عليه السّلام. فقال لهنّ: إنّي رأيتكنّ تتحادثن شيئا عندي منه علم.
فقلن: و من أنت؟ فقال: اسمعن أوّلا. فقلن: هات. فأنشدهنّ قصيدته التي أوّلها:
و يوم ذي سلّم شاقتك نائحة
و رقاء في فنن و الريح تضطرب
فقلن له: نسألك باللّه و بحقّ هذه البنيّة، من أنت؟ فقال: أنا ابن المظلومة المقذوفة بغير جرم «نصيب».
فقمن إليه فسلّمن عليه و رحّبن به، و اعتذرت إليه القائلة، و قالت: و اللّه ما أردت سوءا، و إنّما حملني الاستحسان لقولك على ما سمعت. فضحك و جلس إليهنّ، فحادثهنّ إلى أن انصرفن.
[١] مسنات الهوى: انقطع منها الغرض، فلا يرغب فيها أحد لكبرها.
[٢] راث: أبطأ.
[٣] كذا في ت، ح، ر. و في سائر النسخ: «عن» و تضعف بمعنى تزيد إنما تتعدّى بعلي، و في الحديث: «تضعف صلاة الجماعة على صلاة الفذ خمسة و عشرين درجة» أي تزيد عليها. و «عن» هنا بمعنى «على» و في الشعر إقواء.
[٤] يمرن: يتمايلن جائيات ذاهبات.