الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٠
فصل في صناعة الغناء عن العلامة ابن خلدون في «مقدمته»
و قد رأينا أن ننقل عن العلامة ابن خلدون فصلا قيما كتبه في مقدّمته عن صناعة الغناء و تاريخها لما له من الصلة بموضوع الكتاب. قال:
«هذه الصناعة هي تلحين الأشعار الموزونة بتقطيع الأصوات على نسب منتظمة معروفة، يوقع على كل صوت منها توقيعا [١] عند قطعه فتكون نغمة، ثم تؤلف تلك النغم بعضها إلى بعض على نسب متعارفة، فيلذ سماعها لأجل ذلك التناسب و ما يحدث عنه من الكيفية في تلك الأصوات. و ذلك أنه تبين في علم الموسيقى أن الأصوات تتناسب فيكون صوت نصف صوت و ربع آخر و خمس آخر و جزءا من أحد عشر من آخر. و اختلاف هذه النسب عند تأديتها إلى السمع يخرجها من البساطة إلى التركيب. و ليس كل تركيب منها ملذوذا عند السماع، بل تراكيب خاصة هي التي حصرها أهل علم الموسيقى و تكلموا عليها، كما هو مذكور في موضعه. و قد يساوق [٢] ذلك التلحين في النغمات الغنائية بتقطيع أصوات أخرى من الجمادات إما بالقرع أو بالنفخ في الآلات تتخذ لذلك، فيزيدها لذة عند السماع.
فمنها لهذا العهد بالمغرب أصناف: منها ما يسمونه الشّبّابة [٣]، و هي قصبة جوفاء بأبخاش [٤] في جوانبها معدودة ينفخ فيها فتصوّت، و يخرج الصوت من جوفها على سدادة من تلك الأبخاش، و يقطّع الصوت بوضع الأصابع من اليدين جميعا على تلك الأبخاش وضعا متعارفا حتى تحدث النسب بين الأصوات فيه و تتصل كذلك متناسبة، فيلتذ السمع بإدراكها للتناسب الذي ذكرناه. و من جنس هذه الآلة المزمار الذي يسمى الزّلاميّ [٥]، و هو شكل القصبة منحوتة الجانبين من الخشب جوفاء من غير تدوير لأجل ائتلافها من قطعتين منفردتين كذلك بأبخاش معدودة ينفخ فيها بقصبة صغيرة توصل فينفذ النفخ بواسطتها إليها، و تصوّت بنغمة حادّة و يجري فيها من تقطيع الأصوات من تلك الأبخاش بالأصابع مثل ما يجري في الشّبابة.
و من أحسن آلات الزمر لهذا العهد البوق، و هو بوق من النحاس أجوف في مقدار الذراع يتسع إلى أن يكون انفراج مخرجه في مقدار دون الكف في شكل بري القلم، و ينفخ بقصبة صغيرة تؤدّي الريح من الفم إليه، فيخرج الصوت ثخينا دويا، و فيه أبخاش أيضا معدودة، و تقطّع نغمه منها كذلك بالأصابع على التناسب فيكون ملذوذا.
و منها آلات الأوتار، و هي جوفاء كلها إمّا على شكل قطعة من الكرة مثل البربط [٦] و الرباب، أو على شكل
[١] يستعمل ابن خلدون «التوقيع» في الموسيقى. و الصواب «الإيقاع».
[٢] المساوقة: المتابعة.
[٣] الشبابة: نوع من المزمار مولدة.
[٤] يراد بالأبخاش الثقوب. و لم نجد مادة «بخش» في كتب اللغة، فلعلها مولدة.
[٥] الزلاميّ: تصحيف الزنامي بلغة العامة. و الزناميّ منسوب إلى زنام (كغراب) و هو زمار حاذق كان للرشيد. انظر «شرح القاموس».
مادة «زنم».
[٦] البربط: طنبور ذو ثلاثة أوتار، كذا في «شفاء الغليل». و قال صاحب «اللسان»: البربط: العود، أعجميّ ليس من ملاهي العرب،