الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٣٢ - تفضيل غناء ابن سريج على غناء معبد و مالك بن أبي السمح
بإطلاق الوتر في مجرى البنصر. و ذكر يونس أنّ لمالك لحنا فيه-
أكلثم فكّي عانيا بك مغرما
و شدّي قوى حبل لنا قد تصرّما
فإن تسعفيه مرّة بنوالكم
فقد طالما لم ينج منك مسلّما
كفى حزنا أن تجمع الدار شملنا
و أمسي قريبا لا أزورك كلثما
و بعده هذه الأبيات التي مضت.
اتفاق المغنين على تفضيل لحن ابن سريج «و ليس بتزويق اللسان ... الخ»
أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حمّاد و ذكر الثّقفيّ عن دحمان قال: تذاكرنا و نحن في المسجد أنا و الرّبيع بن أبي الهيثم الغناء أيّه أحسن، فجعل يقول و أقول فلا نجتمع على شيء. فقلت: اذهب بنا إلى مالك بن أبي السّمح.
فذهبنا إليه فوجدناه في المسجد، فقال: ما جاء بكما؟ فأخبرناه. فقال: قد جرى هذا بيني و بين معبد و قال و قلت، فجاءني معبد يوما و أنا في المسجد و قال: قد جئتك بشيء لا تردّه. فقلت: و ما هو؟ قال: لحن ابن سريج:
و ليس بتزويق اللسان و صوغه
و لكنّه قد خالط اللحم و الدّما
/ ثم قال لي معبد: أسمعكه؟ قلت: نعم، و أريته أنّي لم أسمعه قبل، فقال: اسمعه منّي؛ فغنّى فيه و نحن في المسجد، فما سمعت شيئا قطّ أحسن منه، فافترقنا و قد اجتمعنا عليه.
و قرأت في فصل لإبراهيم بن المهديّ إلى إسحاق الموصليّ. «و كتبت رقعتي هذه و أنا في غمرة [١] من الحمّى تصدف [٢] عن المفترضات. و لو لا خوفي من تشنيعك و تجنّيك لم يكن فيّ للإجابة فضل، غير أنّي قد تكلّفت الجواب على ما اللّه به عالم من صعوبة علّتي و ما أقاسيه من الحرارة الحادثة بي.
و ليس بتزويق اللّسان و صوغه
و لكنّه قد خالط اللّحم و الدّما»
تفضيل غناء ابن سريج على غناء معبد و مالك بن أبي السمح
و قال إسحاق حدّثني شيخ من موالي المنصور قال: قدم علينا فتيان من بني أميّة [٣] يريدون مكّة، فسمعوا معبدا و مالكا فأعجبوا بهما، ثم قدموا مكّة فسألوا عن ابن سريج فوجدوه مريضا، فأتوا صديقا [٤] له فسألوه أن يسمعهم غناءه، فخرج معهم حتى دخلوا عليه. فقالوا: نحن فتيان من قريش، أتيناك مسلّمين عليك، و أحببنا أن نسمع منك. فقال: أنا/ مريض كما ترون. فقالوا: إنّ الذي نكتفي منك به يسير- و كان ابن سريج أديبا طاهر الخلق عارفا بأقدار الناس- فقال: يا جارية، هاتي جلبابي [٥] و عودي، فأتته خادمه بخامة [٦] فسدلها على وجهه
[١] غمرة: شدّة.
[٢] في ت، ح، ر: «تصدّ ذويها عن المفترضات».
[٣] في ب، ر، م، ء: «من موالي بني أمية».
[٤] كذا في ت، ح، ر. و في سائر النسخ: «صديقا لهم».
[٥] الجلباب: الرداء و الإزار.
[٦] لم نجد هذا اللفظ في «كتب اللغة» إلا بمعنى خامة الزرع، و هي أوّل ما ينبت منه على ساق واحدة أو الطاقة الغضة منه أو الشجرة كذلك. و قال ابن الأعرابي: الخامة: السنبلة. و الخامة: الفجلة. و ليس من هذه المعاني شيء يناسب السياق. و لعل ذلك كان اصطلاحا في ذلك العصر على أنها القناع الذي يتقنع به، أو لعله محرّف عن الحملة و هي الثوب الذي له خمل (هدب). و قد تقدّم