الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٥٩ - مبدأ قوله الشعر و اتصاله بعبد العزيز بن مروان بمصر
مات، فباعه عمّه أخو أبيه من عبد العزيز بن مروان.
مبدأ قوله الشعر و اتصاله بعبد العزيز بن مروان بمصر
قال حمّاد و أخبرني أبي عن أيّوب بن عبابة، و أخبرنا الحرميّ عن الزّبير عن عمّه و عن إسحاق بن إبراهيم جميعا عن أيّوب بن عبابة قال حدّثني رجل من خزاعة من أهل [١] كليّة- و هي قرية كان فيها النّصيب و كثيّر- قال:
بلغني أنّ النّصيب قال: قلت الشّعر و أنا شابّ فأعجبني قولي، فجعلت آتي مشيخة من بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة- و هم موالي النّصيب- و مشيخة من خزاعة، فأنشدهم القصيدة من شعري، ثم أنسبها إلى بعض شعرائهم الماضين، فيقولون: أحسن و اللّه! هكذا يكون الكلام! و هكذا يكون الشّعر! فلمّا سمعت ذلك منهم علمت أني محسن، فأزمعوا و أزمعت [٢] الخروج إلى عبد العزيز بن مروان، و هو يومئذ بمصر، فقلت لأختي أمامة و كانت عاقلة جلدة: أي أخيّة، إنّي قد قلت شعرا، و أنا أريد عبد العزيز بن مروان، و أرجو أن يعتقك اللّه عزّ و جلّ به و أمّك،/ و من كان مرقوقا من أهل قرابتي. قالت: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون! يا بن أمّ، أ تجتمع عليك الخصلتان: السّواد، و أن تكون ضحكة [٣] للناس! قال: قلت فاسمعي، فأنشدتها فسمعت، فقالت: بأبي أنت! أحسنت و اللّه! في هذا و اللّه رجاء عظيم، فاخرج على بركة اللّه. فخرجت على قعود لي حتى قدمت المدينة، فوجدت بها الفرزدق في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فعرّجت إليه فقلت: أنشده و استنشده و أعرض عليه شعري.
فأنشدته، فقال لي: ويلك! أ هذا شعرك الذي تطلب به الملوك؟ قلت: نعم. قال: فلست في شيء. إن استطعت أن تكتم هذا على نفسك فافعل. فانفضخت عرقا [٤]، فحصبني [٥] رجل من قريش كان قريبا من الفرزدق، و قد سمع إنشادي و سمع ما قال لي الفرزدق، فأومأ إليّ فقمت إليه. فقال: ويحك! أ هذا شعرك الذي أنشدته الفرزدق؟
قلت: نعم. فقال: قد و اللّه أصبت، و اللّه لئن كان هذا الفرزدق شاعرا لقد حسدك، فإنّا لنعرف محاسن الشعر، فامض لوجهك و لا يكسرنّك. قال: فسرّني قوله، و علمت أنه قد صدقني فيما قال، فاعتزمت على المضيّ.
قال: فمضيت فقدمت مصر، و بها عبد العزيز بن مروان، فحضرت بابه مع الناس، فنحّيت عن مجلس الوجوه، فكنت وراءهم، و رأيت رجلا جاء على بغلة حسن الشّارة سهل المدخل، يؤذن له إذا جاء. فلمّا انصرف إلى منزله انصرفت معه أماشي بغلته. فلما رآني قال: أ لك حاجة؟ قلت: نعم، أنا رجل من أهل الحجاز شاعر، و قد مدحت الأمير و خرجت إليه راجيا معروفه. و قد ازدريت فطردت من الباب و نحّيت عن الوجوه. قال: فأنشدني، فأنشدته.
فأعجبه شعري، فقال: ويحك! أ هذا شعرك؟ فإيّاك أن تنتحل، فإنّ الأمير/ رواية عالم بالشّعر و عنده رواة، فلا تفضحني و نفسك. فقلت: و اللّه ما هو إلا شعري. فقال: ويحك! فقل أبياتا تذكر فيها حوف [٦] مصر و فضلها على غيرها، و القني بها غدا. فغدوت عليه من غد فأنشدته قولي:
[١] كلية (بالضم و الفتح و تشديد الياء): واد يأتي من شمنصير بقرب الجحفة. و بكلية على ظهر الطريق ماء آبار يقال لتلك الآبار كلية، و بها سمى الوادي، و كان النصيب يسكنها.
[٢] في ت، ح، ر: «فأجمعوا و أجمعت».
[٣] الضحكة (بضم فسكون): من يضحك منه الناس. و الضّحكة (بضم ففتح): من يضحك من الناس كثيرا.
[٤] فانفضخت عرقا: تدفقت عرقا.
[٥] حصبني: رماني بالحصباء.
[٦] الحوف بمصر: حوفان الشرقيّ و الغربيّ و هما متصلان، أوّل الشرقيّ من جهة الشأم، و آخر الغربي قرب دمياط، يشتملان على بلدان و قرى كثيرة. و حوف رمسيس: موضع آخر بمصر.