الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٦٨ - معبد و ابن سريج، التقاؤهما عفوا ببطن مر ثم تعارفهما بصوتيهما
عليه، و لعلّي إن حرّكت لساني أن يبلّ حلقي اريقي فيخفّف عنّي بعض ما أجده من العطش! فترنّمت بصوتي:
القصر فالنخل فالجمّاء بينهما
/ فلما سمعني الأسود، ما شعرت به إلا و قد احتملني حتى أدخلني خباءه، ثم قال: أي، بأبي أنت و أمي! هل لك في سويق السّلت [١] بهذا الماء البارد؟ فقلت: قد منعتني أقلّ من ذلك، و شربة ماء تجزئني. قال: فسقاني حتى رويت، و جاء الغلام فأقمت عنده إلى وقت الرّواح. فلما أردت الرّحلة قال: أي، بأبي أنت و أمي! الحرّ شديد و لا آمن عليك مثل الذي أصابك، فأذن لي [في] [٢] أن أحمل معك قربة من ماء على عنقي و أسعى بها معك، فكلّما عطشت سقيتك صحنا و غنّيتني صوتا! قال: قلت ذاك لك. فو اللّه ما فارقني يسقيني و أغنّيه حتى بلغت المنزل.
نسخت من كتاب جعفر بن قدامة بخطّه: حدّثني حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن الزّبير [٣] عن جرير قال:
معبد و ابن سريج، التقاؤهما عفوا ببطن مرّ ثم تعارفهما بصوتيهما
كان معبد خارجا إلى مكة في بعض أسفاره، فسمع في طريقه غناء في «بطن مرّ» [٤] فقصد الموضع، فإذا رجل جالس على حرف بركة فارق شعره حسن الوجه، عليه درّاعة [٥] قد صبغها بزعفران، و إذا هو يتغنّى:
صوت
حنّ قلبي من بعد ما قد أنابا
و دعا الهمّ شجوه فأجابا
ذاك من منزل لسلمى خلاء
لابس من خلائه جلبابا
عجبت فيه و قلت للرّكب عوجوا [٦]
طمعا أن يردّ ربع جوابا
فاستثار المنسيّ من لوعة الحب و أبدى
الهموم و الأوصابا
// فقرع معبد بعصاه و غنّى:
منع الحياة من الرجال و نفعها
حدق تقلّبها النساء مراض
و كأنّ أفئدة الرجال إذا رأوا
حدق النساء لنبلها أغراض
فقال له ابن سريج: باللّه أنت معبد؟ قال: نعم، و باللّه [٧] أنت ابن سريج؟ قال: نعم، و و اللّه لو عرفتك ما غنّيت بين يديك.
[١] قال الليث: السّلت: شعير لا قشر له أجرد؛ زاد الجوهريّ كأنه الحنطة، يكون بالغور و الحجاز، يتبرّدون بسويقه في الصيف.
و السويق: ما يتخذ من الحنطة و الشعير.
[٢] زيادة في ت. و في أ، م، ء: «بأن».
[٣] في ح، ر: «الزبيري».
[٤] بطن مرّ (بفتح الميم و تشديد الراء): من نواحي مكة عنده يجتمع وادي النخلتين فيصيران واديا واحدا (ياقوت). و قال في «القاموس»: إنه موضع على مرحلة من مكة و يقال له: «مرّ الظهران».
[٥] الدّرّاعة: جبة مشقوقة المقدّم.
[٦] في «الديوان»:
ظلت فيه و الركب حولى وقوف
و عجت فيه: وقفت به و أقمت
[٧] في أ، ب، س، م، ء: «قال نعم، فسألته أ أنت ابن سريج الخ».