الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٨٨ - شعره و خلقه و شهادة الشعراء فيه
و لمّا مرض عمر مرضه الذي مات فيه جزع أخوه الحارث جزعا شديدا. فقال له عمر: أحسبك إنما تجزع لما تظنّه بي، و اللّه ما أعلم أنّي ركبت فاحشة قطّ! فقال: ما كنت أشفق عليك إلّا من ذلك، و قد سلّيت عنّي.
قال إسحاق: حدّثني مصعب الزّبيريّ قال قال مصعب بن عروة بن الزّبير: خرجت أنا و أخي عثمان إلى مكة معتمرين أو حاجّين، فلما طفنا بالبيت مضينا إلى الحجر نصلّي فيه، فإذا شيخ قد فرج بيني و بين أخي فأوسعنا له.
فلما قضى صلاته أقبل علينا فقال: من أنتما؟ فأخبرناه. فرحّب بنا و قال: يا ابني أخي، إني موكّل بالجمال أتبعه، و إني رأيتكما فراقني حسنكما و جمالكما، فاستمتعا بشبابكما قبل أن تندما عليه، ثم قام، فسألنا عنه فإذا هو عمر بن أبي ربيعة.
أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني محمد بن الضّحّاك قال:
عاش عمر أبي ربيعة ثمانين سنة، فتك منها أربعين سنة، و نسك أربعين سنة.
قال الزّبير و حدّثني إبراهيم بن حمزة و محمد بن ثابت عن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه قال:
حججت/ مع أبي و أنا غلام و عليّ جمّة [١]. فلما قدمت مكة جئت عمر بن أبي ربيعة، فسلّمت عليه و جلست معه، فجعل يمدّ الخصلة من شعري ثم يرسلها فترجع على ما كانت عليه، و يقول: وا شباباه! حتى فعل ذلك مرارا.
ثم قال لي: يا ابن أخي، قد سمعتني أقول في شعري: قالت لي و قلت لها، و كلّ مملوك لي حرّ إن كنت كشفت/ عن فرج حرام قطّ! فقمت و أنا متشكّك في يمينه، فسألت عن رقيقه فقيل لي: أمّا في الحوك [٢] فله سبعون عبدا سوى غيرهم.
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثتني ظبية [٣] مولاة فاطمة بنت عمر بن مصعب قالت:
مررت بجدّك عبد اللّه بن مصعب و أنا داخلة منزله و هو بفنائه و معي دفتر، فقال: ما هذا معك؟ و دعاني.
فجئته و قلت: شعر عمر بن أبي ربيعة. فقال: ويحك! تدخلين على النساء بشعر عمر بن أبي ربيعة! إنّ لشعره لموقعا من القلوب و مدخلا لطيفا، لو كان شعر يسحر لكان هو، فارجعي به. قالت: ففعلت.
[قال إسحاق] [٤]: و أخبرني الهيثم بن عديّ قال:
قدمت امرأة مكة و كانت من أجمل النساء. فبينا عمر بن أبي ربيعة يطوف إذ نظر إليها فوقعت في قلبه، فدنا منها فكلّمها، فلم تلتفت إليه. فلما كان في الليلة الثانية جعل يطلبها حتى أصابها. فقالت له: إليك عنّي يا هذا، فإنك في حرم اللّه و في أيام عظيمة الحرمة. فألحّ عليها يكلّمها، حتى خافت أن يشهّرها. فلما كان في الليلة الأخرى قالت لأخيها: اخرج معي يا أخي فأرني المناسك، فإنّي لست أعرفها، فأقبلت و هو معها. فلما رآها عمر أراد أن يعرض لها، فنظر إلى أخيها معها فعدل عنها، فتمثّلت المرأة بقول النابغة [٥]:
[١] الجمة بالضم: مجتمع شعر الرأس.
[٢] في ت: «الحول» و في م، ء: «الخوك» و لم نعثر عليه. و لعله اسم موضع.
[٣] في ت: «طيبة».
[٤] هاتان الكلمتان ساقطتان من أ، م، ء.
[٥] كذا في ت. و في سائر النسخ: «جرير» تحريف. و قد ورد هذا البيت في كتاب «شرح الأشعار الستة» للأعلم الشنتمري المخطوط-