الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٥٠ - ثناء جرير المديني على ابن سريج
قالوا: و كيف قلت ذاك يا أبا حزرة؟ قال: مخرج كلّ ما أسمعتموني من الغناء من الرأس، و مخرج هذا من الصّدر.
تحكيم الأفلح المخزوميّ في غناء رقطاء الحبطية و صفراء العلقمية
أخبرني الحسن [١] بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني أبي قال حدّثني إبراهيم بن محمد الشافعيّ قال:
/ جاء سندة [٢] الخيّاط المغنّي إلى الأفلح [٣] المخزوميّ- و كان يوصف بعقل و فضل- فقال له: من أين أقبلت؟ و إلى أين تمضي؟ فقال: إليك قصدت من مجلس لبعض القرشيّين أقبلت محاكما إليك. قال: في ما ذا؟ قال:
كنت عند هذا الرجل و حضرت مجلسه رقطاء الحبطيّين، [٤] و صفراء العلقميّين، فتناولتا بينهما رمل ابن سريج:
ليت شعري كيف أبقى ساعة
مع ما ألقى إذا الليل حضر
من يذق نوما و يهدأ ليله
فلقد بدّلت بالنوم السّهر
قلت مهلا إنها جنّيّة
إن نخالطها تفز منها بشرّ
/ فغنّتاه جميعا، و اختلفنا في تفضيلهما، ففضّل كلّ فريق منّا إحداهما، فرضينا جميعا بحكمك، فاحكم بيننا و بينهما. قال: فوجم ساعة- و أهل الحجاز إذا أرادوا أن يحكموا تأمّلوا ساعة ثم حكموا، فاذا حكم المحكّم مضى حكمه كائنا ما كان، ففضّل من فضّله و أسقط من أسقطه، إذا تراضى الخصمان به- فكره الأفلح أن يرضي قوما و يسخط آخرين، فقال لسندة [٢]: صفهما أنت لي كيف كانتا إذ غنّتاه و اشرح لي مذهبهما فيه كما سمعت، و أنا أحكم بعد ذلك. فقال: سندة [٢] أمّا جارية الحبطيين [٤]، فإنها كانت تلوك لحنه كما يلوك الفرس العتيق لجامه، ثم تلقيه في هامة لدنة ثم تخرجه من منخر أغنّ [٥]، و اللّه ما ابتدأته فتوسّطته و أنا أعقل، و لا فرغت منه فأفقت إلا و أنا أظنّ أنّي رأيته في نومي. و أما صفراء العلقميّين، فإنها أحسنهما حلقا، و أصحّهما صوتا، و ألينهما تثنّيا، و اللّه ما سمعها أحد قطّ فانتفع بنفسه و لا دينه./ هذا ما عندي، فاحكم أنت يا أخا بني مخزوم. فقال: قد حكمت بأنهما بمنزلة العينين في الرأس، فبأيّهما نظرت أبصرت، و لو كان في الدنيا من عبيد بن سريج خلف لكانتا. قال: فانصرفوا جميعا راضين بحكمه.
ثناء جرير المدينيّ على ابن سريج
أخبرني الحسين عن حمّاد عن أبيه عن محمد بن سلّام قال:
سألت جريرا المدينيّ [٦] عن ابن سريج، فقال: أتذكره ويحك باسمه، و لا تقول: سيّد من غنّى و واحد من ترنّم!
[١] في ح، ر: «الحسين» و هو تحريف؛ إذ هو الحسن بن عليّ الخفاف، و قد تقدّم كثيرا أنه يروي عن محمد بن القاسم بن مهرويه.
[٢] لم نعثر على ضبطه.
[٣] في ر: «الأقلح». و في ت: «الأبلج». و في أ، م، ء: «الأبلح». و لم نعثر عليه حتى نرجح إحداها.
[٤] في ح، ر: «الحبطية». و في ت، م، ء، أ: «الحنطبيين».
[٥] في ت: «أرن» من الرنين و هو الصوت.
[٦] في ح، ر: «المدنيّ».