الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٤٢ - الوليد بن عبد الملك و ابن سريج
/
أعمرت أرض المسلمين فأقبلت
و كففت عنها من يروم فسادها
و أصبت في أرض العدوّ مصيبة
عمّت أقاصي غورها و نجادها
ظفرا و نصرا ما تناول مثله
أحد من الخلفاء كان أرادها
فإذا نشرت له الثناء وجدته
جمع المكارم طرفها و تلادها
فأشار الوليد إلى بعض الخدم، فغطّوه بالخلع و وضعوا بين يديه كيسا من الدّنانير و بدرا من الدّراهم، ثم قال الوليد بن عبد الملك: يا مولى بني نوفل بن الحارث، لقد أوتيت أمرا جليلا. فقال ابن سريج: يا أمير المؤمنين! لقد آتاك اللّه ملكا عظيما و شرفا عاليا، و عزّا بسط يدك فيه فلم يقبضه عنك و لا يفعل إن شاء اللّه. فأدام اللّه لك ما ولّاك، و حفظك فيما استرعاك، فإنك أهل لما أعطاك، و لا نزعه منك إذ رآك له موضعا. قال: يا نوفليّ، و خطيب أيضا! قال ابن سريج: عنك نطقت، و بلسانك تكلّمت، و بعزّك بيّنت [١]. و قد كان أمر بإحضار الأحوص بن محمد الأنصاريّ و عديّ بن الرّقاع العامليّ. فلمّا قدما عليه أمر بإنزالهما حيث ابن سريج، فأنزلا منزلا إلى جنب ابن سريج. فقالا: و اللّه لقرب أمير المؤمنين كان أحبّ إلينا من قربك يا مولى بني نوفل، و إنّ في قربك لما يلذّنا [٢] و يشغلنا عن كثير مما نريد. فقال لهما ابن سريج: أو قلّة شكر! فقال له عديّ: كأنّك يا بن اللّخناء تمنّ علينا! عليّ و عليّ إن جمعنا و إيّاك سقف بيت أو صحن دار [إلا [٣]] عند أمير المؤمنين. و أمّا الأحوص فقال: أو لا تحتمل [٤] لأبي يحيى الزّلّة و الهفوة! و كفّارة [٥] يمين خير من عدم المحبّة، و إعطاء النّفس سؤلها خير/ من لجاج [٦] في غير منفعة! فتحوّل عديّ، و بقي عنده الأحوص. و بلغ الوليد ما جرى بينهم، فدعا ابن سريج و أدخله بيتا و أرخى دونه سترا، ثم أمره إذا فرغ الأحوص و عديّ من كلمتيهما أن يغنّى. فلما دخلا و أنشداه مدائح فيه، رفع ابن سريج صوته من حيث لا يرونه و ضرب بعوده. فقال عديّ: يا أمير المؤمنين، أ تأذن لي أن أتكلّم؟ فقال: قل يا عامليّ. قال: أمثل هذا عند أمير المؤمنين، و يبعث إلى ابن سريج يتخطّى به رقاب قريش و العرب من تهامة إلى الشأم، ترفعه أرض و تخفضه أخرى فيقال: من هذا؟ فيقال: عبيد بن سريج/ مولى بني نوفل بعث أمير المؤمنين إليه، ليسمع غناءه! فقال: ويحك يا عديّ! أ و لا تعرف هذا الصوت [٧]؟ قال: لا، و اللّه ما سمعته قطّ و لا سمعت مثله حسنا، و لو لا أنه [٨] في مجلس أمير المؤمنين لقلت: طائفة من الجنّ يتغنّون. فقال: اخرج عليهم، فخرج فإذا ابن سريج. فقال عديّ: حقّ لهذا أن يحمل! حقّ لهذا أن يحمل!- ثلاثا- ثم أمر لهما بمثل ما أمر لهما بمثل ما أمر به لابن سريج، و ارتحل القوم. و كان الذي غنّاه ابن سريج من شعر عمر بن أبي ربيعة:
باللّه يا ظبي بني الحارث
هل من وفى بالعهد كالنّاكث
[١] في ح، ر: «أثنيت».
[٢] كذا في أكثر النسخ. و لم نجد هذا الفعل في «كتب اللغة» متعدّيا بنفسه؛ إذ لا يقال: لذني الشيء بل لذ لي الشيء و لذذته و لذذت به.
و في ر، ح: «بلدنا»، و لعله مصحف عن «يلدّنا» بمعنى يحبسنا و هي لغة هذلية.
[٣] التكملة عن أ، ح، ر.
[٤] كذا في ح، ر. و في سائر النسخ: «أو لا تحمل».
[٥] في ح، ر: «كفارة» بدون الواو.
[٦] اللجاج: التمادي في الخصومة، أو هو أن يحلف على شيء و يرى أن غيره خير منه فيقيم على يمينه و لا يحنث، فذلك آثم.
[٧] في ب، س، ء، م بعد قوله: «أولا تعرف هذا الصوت» هذه الجملة: «فهذا عبيد بن سريج» و هي لا يقتضيها السياق.
[٨] في ر «أني».