الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٩٣ - خبر السواد في ثنيتي عمر
قال: إنّ ظاهر أمرك ليدلّ على باطنه، فأرود [١] التفسير، و لئن متّ لأموتنّ معك، أفّ للدنيا بعدك يا أبا الخطّاب! فقال له عمر: بل عليها بعدك العفاء يا أبا محمد!/ قال: فلقي الحارث بن خالد ابن أبي عتيق فقال: قد بلغني ما دار بينك و بين ابن أبي ربيعة، فكيف لم تتحلّلا منّي [٢]؟ فقال له ابن أبي عتيق: يغفر اللّه لك يا أبا عمرو، إن ابن أبي ربيعة يبرئ القرح [٣]، و يضع الهناء مواضع النّقب [٤]، و أنت جميل الخفض [٥]. فضحك الحارث بن خالد و قال: «حبّك الشيء يعمي و يصمّ» [٦]. فقال: هيهات أنا بالحسن عالم نظّار!
خبر السواد في ثنيتي عمر
و أمّا خبر السّواد في ثنيّتي عمر فإن الزبير بن بكّار ذكره عن عمّه مصعب في خبره: أنّ امرأة غارت عليه فاعترضته بمسواك كان في يدها فضربت به ثنيّتيه فاسودّتا.
و ذكر إسحاق الموصليّ عن أبي عبد اللّه [٧] المسيّبيّ و أبي الحسن المدائنيّ: أنه أتى الثريّا يوما و معه صديق له كان يصاحبه و يتوصّل بذكره في الشعر، فلمّا كشفت الثريّا السّتر و أرادت الخروج إليه، رأت صاحبه فرجعت. فقال لها: إنه ليس ممّن أحتشمه [٨] و لا أخفي عنه شيئا؛ و استلقى فضحك- و كان النساء إذ ذاك يتختّمن في أصابعهنّ العشر- فخرجت إليه فضربته بظاهر كفّها، فأصابت الخواتيم ثنيّتيه/ العليين فنغضتا [٩] و كادتا تسقطان، فقدم البصرة فعولجتا له، فثبتتا و اسودّتا. فقال الحزين الكنانيّ يعيّره [١٠] بذلك- و كان عدوّه و قد بلغه خبره-:
ما بال سنّيك أم ما بال كسرهما [١١]
أ هكذا كسرا في غير ما باس
[١] في م، أ، ء: «فأورد بالتفسير». و في سائر النسخ عدا نسخة ت: «فأورد التفسير». و أورد إنما يتعدّى بنفسه لا بالباء. و لعل المراد قد بان لنا أمرك و دل على باطنك ظاهرك فصرّح بما كان.
و في ت: فأرود بالتفسير». يقال: أرود به إروادا إذا رفق؛ و منه الحديث: «رويدك رفقا بالقوارير». و هو يتعدّى بالباء. و يقال: أرود إذا ترك، و هو يتعدّى بنفسه لا بالباء و هو الذي يقتضيه سياق الكلام. فلعل الباء هنا من زيادة الناسخ. و المراد: إن ظاهر أمرك ليدل على باطنه، فدع التفسير فلا حاجة إليه.
[٢] لم تتحللا مني: لم تسألاني أن أجعلكما في حلّ.
[٣] قال الليث: القرح: جرب شديد يأخذ الفصلان فلا تكاد تنجو. و الفصلان: جمع فصيل و هو ولد الناقة. و قال الأزهريّ: الذي قاله الليث من أن القرح جرب شديد الخ غلط، إنما القرحة داء يأخذ البعير فيهدل مشفره منه.
[٤] النّقب و النّقب: القطع المتفرقة من الجرب، الواحدة نقية؛ و قيل: هي أوّل ما يبدو من الجرب؛ قال دريد بن الصمة:
متبذلا تبدو محاسنه
يضع الهناء مواضع النّقب
[٥] الخفض: الدعة.
[٦] أي يخفى عليك مساويه، و يصمّك عن سماع العذل فيه.
[٧] في ت: «عبيد اللّه».
[٨] قال في «اللسان» و «شرح القاموس» (مادة حشم): و قد احتشم عنه و منه؛ و لا يقال: احتشمه، فأما قول القائل: و لم يحتشم ذلك فإنه حذف «من» و أوصل الفعل. و في أساس البلاغة: «أنا أحتشمك و أحتشم منك، أي أستحي».
[٩] كذا في ح، ر. و في ت: «فنغضتا و خاف أن يسقطا». و نغضت سنه تنغض و تنغض: قلقت و تحرّكت. و في سائر النسخ: «و كادت أن تقلعهما و خاف أن يسقطا».
[١٠] ستأتي ترجمته في الجزء الرابع عشر من «الأغاني».
[١١] في ت: «أم ما شأن حسنهما».