الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٢٠ - الرشيد و إسحاق حين غناه قول العرجي أضاعوني البيت
محمد: أسألك بالقرابة. قال: و أيّ قرابة بيني و بينك! و هل أنت إلا من أشجع! قال: فأسألك بصهر عبد الملك.
قال: لم تحفظه. فقال له: يا أمير المؤمنين، قد نهى رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم أن يضرب قرشيّ بالسّياط إلا في حدّ. قال: ففي حدّ أضربك و قود، أنت/ أوّل من سنّ ذلك على العرجيّ، و هو ابن عمّي و ابن أمير المؤمنين عثمان، فما رعيت حقّ جدّه و لا نسبه بهشام، و لا ذكرت حينئذ هذا الخبر، و أنا وليّ ثأره، اضرب يا غلام، فضربهما ضربا مبرّحا، و أثقلا بالحديد، و وجّه بهما إلى يوسف بن عمر بالكوفة، و أمره باستصفائهما [١] و تعذيبهما حتى يتلفا، و كتب إليه: احبسهما مع ابن النّصرانيّة- يعني خالدا القسريّ- و نفسك نفسك إن عاش أحد منهم.
فعذّبهم عذابا شديدا، و أخذ منهم مالا عظيما حتى لم يبق فيهم موضع للضّرب. فكان محمد بن هشام مطروحا، فإذا أرادوا أن يقيموه أخذوا بلحيته فجذبوه بها. و لمّا اشتدّت عليهما الحال، تحامل [٢] إبراهيم لينظر في وجه محمد، فوقع عليه فماتا جميعا، و مات خالد القسريّ معهما في يوم واحد. فقال الوليد بن يزيد لمّا حملهما إلى يوسف بن عمر:
قد راح نحو العراق مشخلبه [٣]
قصاره السّجن بعده الخشبه [٤]
يركبها صاغرا بلا قتب
و لا خطام و حوله جلبه
فقل لدعجاء إن مررت بها
لن يعجز اللّه هارب طلبه
قد جعل اللّه بعد غلبتكم
لنا عليكم يا دلدل الغلبه
لست إلى هاشم و لا أسد
و لا إلى نوفل و لا الحجبه [٥]
لكنّما أشجع أبوك سل ال
كلبيّ [٦] لا ما يزوّق الكذبة
الرشيد و إسحاق حين غناه قول العرجيّ أضاعوني البيت
قال إسحاق في خبره: غنيت الرشيد يوما في عرض الغناء:
أضاعوني و أيّ فتى أضاعوا
ليوم كريهة و سداد ثغر
فقال لي: ما كان سبب هذا الشعر حتى قاله العرجيّ؟ فأخبرته بخبره من أوّله إلى أن مات، فرأيته يتغيظ كلّما مرّ منه شيء. فأتبعته بحديث مقتل ابني هشام، فجعل وجهه يسفر و غيظه يسكن. فلمّا انقضى الحديث، قال لي: يا إسحاق! و اللّه لو لا ما حدّثتني به من فعل الوليد لما تركت أحدا من أماثل بني مخزوم إلا قتلته بالعرجيّ.
[١] كذا في ت، ح. و معناه أخذ أموالهما. و في سائر النسخ: «باستصعابهما» و هو تحريف.
[٢] أي تكلف التحرّك بعض الشيء ليرى حالة أخيه.
[٣] كذا في أكثر النسخ. قال في «اللسان»: و المشخلبة: كلمة عراقية ليس على بنائها شيء من العربية، و هي تتخذ من الليف و الخرز أمثال الحلي، و قد تسمى الجارية مشخلبة لما يرى عليها من الخرز كالحليّ. و في ت: «مخشلبة» بتقديم الخاء المعجمة على الشين المعجمة، و معناهما واحد.
[٤] أي غايته السجن بعده الصلب.
[٥] يريد حجبة الكعبة. و كانت الحجابة في بني قصيّ و قد بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و حجابة البيت في يد شيبة بن عثمان بن طلحة بن عبد الدار بن قصى، فأبقاها و اختص بها أولاده من بعده، فهي فيهم إلى الآن.
[٦] يريد بالكلبي محمد بن السائب بن بشر بن عمرو الكلبيّ النّسابة المعروف.