الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٠٦ - العرجي و أم الأوقص و هو محمد بن عبد الرحمن المخزومي القاضي
كان العرجيّ يستقي على إبله في شملتين [١]، ثم يغتسل و يلبس حلّتين بخمسمائة دينار، ثم يقول:
يوما لأصحابي و يوما للمال
مدرعة [٢] يوما و يوما سربال [٣]
أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن بعض رجاله: أنّ العرجيّ كان غازيا فأصابت الناس مجاعة، فقال للتجار: أعطوا الناس و عليّ ما تعطون، فلم يزل يعطيهم و يطعم الناس حتى أخصبوا [٤]، فبلغ ذلك عشرين ألف دينار، فألزمها [٥] العرجيّ نفسه. و بلغ الخبر عمر بن عبد العزيز فقال: بيت المال أحقّ بهذا، فقضى التّجّار ذلك المال من بيت المال.
العرجيّ و أم الأوقص و هو محمد بن عبد الرحمن المخزومي القاضي
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير عن عمّه، و أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن الزبيري [٦] و غيره:
أنّ العرجيّ خرج إلى جنبات [٧]/ الطائف متنزّها [٨]، فمرّ ببطن النّقيع [٩] فنظر إلى أمّ الأوقص، و هو محمد بن عبد الرحمن المخزوميّ القاضي، و كان يتعرّض لها، فإذا رآها رمت بنفسها و تستّرت منه، و هي امرأة من بني تميم، فبصر بها في نسوة جالسة و هنّ يتحدّثن، فعرفها و أحبّ أن يتأمّلها من قرب، فعدل عنها و لقي أعرابيّا من بني نصر على بكر له و معه وطبا [١٠] لبن، فدفع إليه دابّته و ثيابه و أخذ قعوده و لبنه و لبس ثيابه، ثم أقبل على النسوة فصحن به: يا أعرابيّ، أ معك لبن؟ قال: نعم، و مال إليهنّ و جلس يتأمّل أمّ الأوقص، و تواثب من معها إلى الوطبين، و جعل العرجيّ يلحظها و ينظر أحيانا إلى الأرض كأنه يطلب شيئا و هنّ يشربن من اللّبن. فقالت له امرأة منهنّ: أيّ شيء تطلب يا أعرابيّ في الأرض؟ أضاع منك شيء؟ قال: نعم قلبي. فلمّا سمعت التّميميّة كلامه نظرت
[١] الشملة: كساء مخمل دون القطيفة يشتمل به. قال أبو منصور: الشملة عند العرب: مئزر من صوف أو شعر يؤتزر به، فإذا لفّق لفقين فهي مشملة يشتمل بها الرجل إذا نام بالليل.
[٢] قال في «اللسان»: و المدرع: ضرب من الثياب التي تلبس، و قيل جبة مشقوقة المقدم. و المدرعة: ثوب آخر و لا تكون إلا من الصوف خاصة.
[٣] السربال: القميص أو الدرع، و قيل: كل ما لبس فهو سربال.
[٤] في ح: «حتى أحصى».
[٥] في ح: «فالتزمها العرجيّ». و في ب: «فالتزمها العرجيّ نفسه».
[٦] كذا في ب، س. و في ح: «الزبير». و في سائر النسخ: «الزهري».
[٧] جنبات: جمع جنبة و هي الناحية.
[٨] قال ابن سيده: تنزه الانسان: خرج إلى الأرض النزهة (و هي الأرض البعيدة النائية من الأنداء و المياه و الغمق). قال: و العامة يضعون الشيء في غير موضعه و يغلطون فيقولون: خرجنا نتنزه، إذا خرجوا إلى البساتين فيجعلون التنزه الخروج إلى البساتين و الخضر و الرياض، و إنما التنزه: التباعد عن الأرياف و المياه حيث لا يكون ماء و لا ندى و لا جمع ناس، و ذلك شق البادية، و منه قيل: فلان يتنزه عن الأقذار و ينزه نفسه عنها أي يباعد نفسه عنها. قال المرتضى: قال شيخنا نقلا عن الشهاب: لا يخفى أن العادة كون البساتين في خارج القرى غالبا، و لا شك إن الخروج إليها تباعد. (راجع «لسان العرب» و «شرح القاموس» مادّة نزه).
[٩] كذا في معاهد التنصيص طبع بولاق في ترجمة العرجيّ ص ٤٢٢، و النقيع كما في «القاموس»: موضع بجنبات الطائف. و في الأصول: «البقيع» بالباء و هو تصحيف.
[١٠] الوطب: سقاء اللبن.