الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١١٢ - المفاضلة بينه و بين جميل بن معمر العذري
و قد أتعب الحادي سراهنّ و انتحى
بهنّ فما يألو عجول مقلّص [١]
يزدن بنا قربا فيزداد شوقنا
إذا زاد طول العهد و البعد ينقص
و يقول صاحبك ما شئت. فقال له نوفل: صاحبكم أشعر في الغزل، و صاحبنا أكثر أفانين شعر. فقال سعيد: صدقت. فلما انقضى ما بينهما من ذكر الشعر، جعل سعيد يستغفر اللّه و يعقد [٢] بيده حتى وفّى مائة.
فقال البكريّ في حديثه عن عبد الجبّار: قال مسلم: فلما انصرفنا قلت لنوفل: أ تراه استغفر اللّه من إنشاد الشعر/ في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم؟ فقال: كلا! هو كثير الإنشاد و الاستنشاد للشعر فيه، و لكن أحسب ذلك للفخر بصاحبه.
المفاضلة بينه و بين جميل بن معمر العذري
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال قال أبو عبيدة حدّثنا عوانة بن الحكم و أبو يعقوب الثّقفيّ: أنّ الوليد بن يزيد بن عبد الملك قال لأصحابه ذات ليلة: أيّ بيت قالته العرب أغزل؟ فقال بعضهم: قول جميل:
يموت الهوى منّي إذا ما لقيتها
و يحيا إذا فارقتها فيعود
و قال آخر: قول عمر بن أبي ربيعة:
كأنّني حين أمسي لا تكلّمني
ذو بغية يبتغي ما ليس موجودا
فقال الوليد: حسبك و اللّه بهذا! أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الحميد [٣] عن شيخ من أهله عن أبي الحارث مولى هشام/ بن الوليد بن المغيرة- قال: و هو الذي يقول فيه عمر بن أبي ربيعة:
يا أبا الحارث قلبي طائر
فأتمر أمر رشيد مؤتمن [٤]-
قال: شهدت عمر بن أبي ربيعة، و جميل بن عبد اللّه بن معمر العذريّ، و قد اجتمعا بالأبطح، فأنشد جميل قصيدته التي يقول فيها:
لقد فرح الواشون أن صرمت حبلي
بثينة أو أبدت لنا جانب البخل
يقولون مهلا يا جميل و إنّني
لأقسم مالي عن بثينة من مهل
/ حتى أتى على آخرها، ثم قال لعمر: يا أبا الخطّاب، هل قلت في هذا الرّويّ شيئا؟ قال نعم.
[١] مقلص: مشمّر جادّ في السير.
[٢] يعقد: يحسب؛ يقال: عقد الحاسب يعقد عقدا أي حسب.
[٣] في ت: «محمد بن إسماعيل بن عبد الحميد». و في ر: «محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن عبد اللّه بن عبد الحميد».
[٤] كذا في ت. و في سائر النسخ: «مؤتمر» بالراء و هو تحريف؛ إذ أن هذه القصيدة نونيّة مطلعها في «ديوانه»:
من رسوم باليات و دمن
عاد لي همّي و عاودت ددن
و في هذا الجزء ص ١٥٧:
أمن الرسم و أطلال الدمن
عاد لي وجدي و عاودت الحزن