الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٥٥ - وقفة على قبر ابن سريج بدسم
قال أبو أيّوب المديني: توفّي ابن سريج بالعلّة التي أصابته من الجذام بمكة، في خلافة سليمان بن عبد الملك أو في آخر خلافة الوليد، بمكة و دفن في موضع بها يقال له دسم [١].
وقفة على قبر ابن سريج بدسم
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال أخبرني هارون [٢] بن أبي بكر قال حدّثني إسحاق بن يعقوب العثمانيّ مولى آل عثمان عن أبيه قال:
إنّا لبفناء دار عمرو [٣] بن عثمان بالأبطح في صبح خامسة من الثّمان- يعني/ أيام الحجّ- قال: كنت جالسا أيام الحجّ، فما إن دريت إلا برجل على راحلة على رحل جميل و أداة حسنة، معه صاحب له على راحلة قد جنب إليها فرسا و بغلا، فوقفا عليّ و سألاني، فانتسبت لهما عثمانيّا. فنزلا و قالا: رجلان من أهلك لهما حاجة و نحبّ أن تقضيها قبل أن نشده [٤] بأمر الحجّ. فقلت ما حاجتكما؟ قالا؟ نريد إنسانا يقفنا [٥] على قبر عبيد بن سريج. قال:
فنهضت معهما حتى بلغت بهما محلّة بني أبي قارة [٦] من خزاعة بمكة، و هم موالي عبيد بن سريج، فالتمست لهما إنسانا يصحبهما حتّى/ يقفهما على قبره بدسم، فوجدت ابن أبي دباكل [٧] فأنهضته معهما. فأخبرني بعد: أنه لمّا وقفهما [٨] على قبره نزل أحدهما عن راحلته فحسر عمامته عن وجهه، فإذا هو عبد اللّه بن سعيد بن عبد الملك بن مروان، فعقر ناقته و اندفع يندبه بصوت شجيّ كليل حسن و يقول:
وقفنا على قبر بدسم فهاجنا
و ذكّرنا بالعيش إذ هو مصحب [٩]
فجالت بأرجاء الجفون سوافح
من الدّمع تستتلي الذي يتعقّب
إذا أبطأت عن ساحة الخدّ ساقها
دم بعد دمع إثره يتصبّب
فإن تسعدا نندب عبيدا بعولة [١٠]
و قلّ له منّا البكا و التّحوّب [١١]
ثم نزل صاحبه فعقر ناقته، و قال له القرشيّ: خد في صوت أبي يحيى؛ فاندفع يتغنّى [١٢]:
[١] دسم: موضع قرب مكة، كما في «ياقوت».
[٢] كذا في ت، ح، ر. و في سائر النسخ: «أخبرني أخي هارون بن أبي بكر».
[٣] في ت، ر: «عمر».
[٤] نشده أي نشغل.
[٥] كذا في ت، ح، ر و في سائر النسخ: «يوقفنا» و هما لغتان، و الثلاثي أفصح، بل قيل إن الرباعي غير مسموع، و قيل إنه غير فصيح.
(انظر «القاموس» و «شرحه» للمرتضى مادة وقف).
[٦] في ر: «بني قارة» و في ب، أ، ء: «بني أبي فارة». و في ت، ح: «بني فارة».
[٧] كذا ضبطه في «شرح القاموس» (مادة دبكل) و قال: إنه شاعر خزاعيّ من شعراء الحماسة، و معناه الغليظ الجلد السمج. و قال التبريزي في «شرح الحماسة» طبع أوروبا ص ٥٩٤: إنه علم مرتجل و ليس منقولا من جنس.
[٨] كذا في ت، ح، ر، م. و في سائر الأصول: «أوقفهما».
[٩] المصحب: الذليل المنقاد بعد صعوبة.
[١٠] يقال: أعول و عوّل، إذا رفع صوته بالبكاء و الصياح، و الاسم منه العول و العولة و العويل.
[١١] التحوّب: التوجع. و في ح، ر، ب، س: «التنحب» من النحيب و هو أشدّ البكاء. و لم نجد هذه الصيغة من هذه المادة في «كتب اللغة».
[١٢] الشعر لكثير بن كثير بن الصلت السهمي، كما في «ياقوت» مادتي الحصاب و السباب.