الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢١١ - ابن سريج و عطاء بن أبي رباح
و كانت قد أخذت عنه و أحسنت إليه فناح عليها، ثم ناح بعدها على يزيد بن عبد الملك، ثم لم ينح بعده حتى هلك.
قال: و لمّا عدل ابن سريج عن النّوح إلى الغناء عدل معه الغريض إليه، فكان لا يغنّي صوتا إلا عارضه فيه.
ابن سريج و عطاء بن أبي رباح
أخبرني رضوان بن أحمد الصيدلانيّ قال حدّثنا يوسف بن إبراهيم قال:
حدّث [١] إسحاق بن إبراهيم الموصليّ أبا إسحاق إبراهيم بن المهديّ و أنا حاضر أنّ يحيى المكّيّ حدّثه أن عطاء بن أبي رباح لقي ابن سريج بذي طوىّ [٢]، و عليه ثياب مصبّغة و في يده جرادة مشدودة الرّجل بخيط يطيّرها و يجذبها به كلّما تخلّفت [٣]؛ فقال له عطاء: يا فتّان، أ لا تكفّ عما أنت عليه! كفى اللّه الناس مئونتك. فقال ابن سريج: و ما على الناس من تلويني ثيابي و لعبي بجرادتي؟ فقال له: تفتنهم أغانيك/ الخبيثة. فقال له ابن سريج:
سألتك بحقّ من تبعته من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و بحقّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عليك، إلّا ما سمعت منّي بيتا من الشعر، فإن سمعت منكرا أمرتني بالإمساك عما أنا عليه. و أنا أقسم باللّه و بحقّ هذه البنيّة لئن أمرتني بعد استماعك منّي بالإمساك عما أنا عليه لأفعلنّ ذلك. فأطمع ذلك عطاء في ابن سريج، و قال: قل. فاندفع يغنّي بشعر جرير:
صوت
إنّ الذين غدوا بلبّك غادروا
و شلا [٤] بعينك لا يزال معينا [٥]
غيّضن [٦] من عبراتهنّ و قلن لي
ما ذا لقيت من الهوى و لقينا
- لحن ابن سريج هذا [٧] ثقيل أوّل بالوسطى عن ابن المكّيّ و الهشاميّ، و له أيضا فيه رمل. و لإسحاق فيه رمل آخر بالوسطى. و فيه هزج بالوسطى ينسب إلى ابن سريج و الغريض- قال: فلمّا سمعه عطاء اضطرب اضطرابا شديدا و دخلته أريحيّة، فحلف ألّا يكلّم أحدا بقية يومه إلا بهذا الشّعر، و صار إلى مكانه من المسجد الحرام؛ فكان كلّ من يأتيه سائلا عن حلال أو حرام أو خبر من الأخبار، لا يجيبه إلا بأن يضرب إحدى يديه على الأخرى و ينشد
- على أنه بتخفيف الباء أيضا و هو:
أبلغ حبابة أسقى ربعها المطر
ما للفؤاد سوى ذكراكم و طر
إن سار صحبي لم أملك تذكركم
أو عرّسوا فهموم النفس و السهر
[١] كذا في ت، ح، ر. و في سائر النسخ: «قال حدّثنا يوسف بن إبراهيم قال حدّثنا إسحاق الموصليّ أن أبا إسحاق إبراهيم بن المهديّ قال الخ» و هو من تحريف النساخ.
[٢] ذو طوى: موضع عند مكة.
[٣] في ت: «تحلقت» و لم نجد فيما بين أيدينا من «كتب اللغة» هذه الصيغة بمعنى حلق الطائر إذا ارتفع في الهواء و استدار كهيئة الحلقة. و يستأنس لذلك بما ورد في شعر مهيار الديلميّ في قوله:
و زاد عزا أنفسا تحلّقت
فوق السها و ما انتهت أقدارها
[٤] الوشل: الماء و الدمع القليل و الكثير. و المراد هنا الدمع الكثير.
[٥] المعين: الجاري السائل على وجه الأرض. و قد قيل في اشتقاقه إنه اسم مفعول من عان الماء: أساله. و قيل هو اسم مفعول لا فعل له، و قيل هو صفة مشبهة من معن الماء يمعن فهو معين إذا جرى و سال. (انظر «اللسان» مادتي عين و معن).
[٦] غيضن من عبراتهن: أرسلن دموعهن حتى نزفنها.
[٧] كذا في ت، ح، ر. و في سائر النسخ: «لحن ابن سريج هذا الصوت ثقيل أوّل الخ».