الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢١٤ - غناء ابن سريج في طريق الحاج و وقفه الناس بحسن غنائه
/ ثم قال عمر لابن سريج: يا أبا يحيى، إني تفكّرت في رجوعنا مع العشيّة إلى مكة مع كثرة الزّحام و الغبار و جلبة الحاجّ فثقل عليّ، فهل لك أن نروح رواحا طيّبا معتزلا، فنرى فيه من راح صادرا إلى المدينة من أهلها، و نرى أهل العراق و أهل الشّأم و نتعلّل [١] في عشيّتنا و ليلتنا و نستريح؟ قال: و أنّى ذلك يا أبا الخطّاب؟ قال: على كثيب أبي شحوة [٢] المشرف على بطن يأجج [٣] بين منى و سرف، فنبصر مرور الحاجّ بنا و نراهم و لا يرونا. قال ابن سريج: طيّب و اللّه يا سيّدي. فدعا بعض خدمه فقال: اذهبوا إلى الدار بمكّة، فاعملوا لنا سفرة [٤] و احملوها مع شراب إلى الكثيب، حتّى إذا أبردنا [٥] و رمينا الجمرة [٦] صرنا إليكم- قال: و الكثيب على خمسة أميال من مكّة مشرف على طريق المدينة و طريق الشّأم و طريق العراق، و هو كثيب شامخ/ مستدق [٧] أعلاه منفرد عن الكثبان- فصارا إليه فأكلا و شربا. فلمّا انتشيا أخذ ابن سريج الدّفّ [٨] فنقره و جعل يغنّي و هم ينظرون إلى الحاجّ. فلمّا أمسيا رفع ابن سريج صوته يغنّي في الشّعر الذي قاله عمر، فسمعه الرّكبان فجعلوا يصيحون به: يا صاحب الصّوت أ ما تتّقي اللّه! قد حبست الناس عن مناسكهم! فيسكت قليلا، حتى إذا مضوا رفع صوته و قد أخذ فيه الشّراب فيقف آخرون، إلى أن مرّت [٩] قطعة من الليل، فوقف عليه في الليل رجل على فرس عتيق [١٠] عربيّ مرح مستنّ [١١] فهو كأنه ثمل، حتى وقف بأصل الكثيب و ثنى رجله على قربوس [١٢] سرجه، ثم نادى: يا صاحب الصوت، أ يسهل عليك أن تردّ شيئا مما سمعته؟ قال: نعم و نعمة عين، فأيّها تريد؟ قال: تعيد عليّ:
ألا يا غراب البين مالك كلّما
نعبت [١٣] بفقدان عليّ تحوم
أ بالبين من عفراء أنت مخبّري
عدمتك من طير فأنت مشوم
- قال: و الغناء لابن سريج- فأعاده، ثم قال له ابن سريج: ازدد إن شئت. فقال: غنّني:
[١] نتعلل: نتلهى و نتسلى.
[٢] في ت: «أبي شجوة». و في ا، ء، ب، س: «أبي سجرة». و في سائر المنسخ: «أبي شجرة» و كل ذلك محرّف عن «أبي شحوة» بالشين المعجمة المفتوحة و الحاء المهملة الساكنة ثم واو مفتوحة، ذكره ياقوت و عرّفه كما في الأصل.
[٣] يأجج كيسمع و ينصر و يضرب: موضع من مكة على ثمانية أميال، و كان من منازل عبد اللّه بن الزبير. (انظر «شرح القاموس» مادة يأجج).
[٤] السفرة بالضم: طعام يتخذ للمسافر (كاللّهنة للطعام الذي يؤكل بكرة) و أكثر ما يحمل في جلد مستدير، فنقل اسم الطعام إليه و سمي به كما سميت المزادة راوية، و في حديث عائشة: «صنعنا لرسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم و لأبي بكر سفرة في جراب (أي طعاما) لما هاجر هو و أبو بكر رضي اللّه عنه». و في ح، ر: «سفرا» بصيغة الجمع.
[٥] أبردنا: دخلنا في آخر النهار.
[٦] الجمرة: واحدة جمرات المناسك و هي ثلاث جمرات ترمى بها الجمار، بين كل واحدة الأخرى غلوة (رمية) سهم. و سمي موضع رمي الجمار بمنى جمرة لأنه يرمى بالجمار (جمع جمرة و هي الحصاة) أو أنه سمي جمرة لأنه مجمع الحصى التي ترمى بها، من الجمرة و هي اجتماع القبيلة على من ناوأها.
[٧] كذا في ح، ر. و في سائر النسخ: «و هو كثيب شامخ مشيد و أعلاه مفرد عن الكثبان».
[٨] الدف بالضم و يفتح، قال في «القاموس»: و بالضم أعلى، و حكى الجوهريّ أن الفتح فيه لغة.
[٩] في ب، س: «سرت».
[١٠] العتيق من الخيل: الرائع الكريم الأصل.
[١١] فرس مستنّ: نشيط.
[١٢] القربوس (بفتح الراء و لا يسكن إلا في ضرورة الشعر. و حكى أبو زيد أن السكون فيه لغة): مقدّم السرج و مؤخرة (و يقال لهما حنوا السرج) كل منهما قربوس.
[١٣] كذا في ب، س، و في ح: «نعبت» بالياء المثناة. و في سائر النسخ: «علوت».