الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٣٥ - التقاء ابن سلمة الزهري و الأخضر الجدي ببئر الفصح و تغني ابن سلمة بغناء ابن سريج
بك؟ فقال له الأخضر: لقد كنت إلى/ ذلك مشتاقا،/ قال: فقعدا يتحدّثان، فمرّ بهما أبو السائب، فقال:
يا مطربي الحجاز، أ لشيء كان اجتماعكما؟ فقالا: لغير موعد كان ذلك، أ فتؤنسنا؟ قال: فقعدوا يتحدّثون. فلما مضى بعض الليل قال الأخضر لابن سلمة: يا أبا الأزهر، قد ابهارّ الليل [١] و ساعدك القمر، فأوقع بقهقهة [٢] ابن سريج و أصب معناك [٣]. فاندفع يغنّي:
صوت
تجنّت بلا جرم و صدّت تغضّبا
و قالت لتربيها مقالة عاتب
سيعلم هذا أنّني بنت حرّة
سأمنع نفسي من ظنون كواذب
فقولي له عنّا تنحّ فإنّنا
أبيات فحش طاهرات المناسب
- الغناء لابن سريج و لم يذكر طريقته- قال: فجعل أبو السّائب يزفن [٤] و يقول: أبشر حبيبي؛ فلأنت أفضل من شهداء قزوين [٥]. قال: ثم قال ابن سلمة للأخضر: نعم المساعد على همّ الليل أنت! فأوقع بنوح ابن سريج و لا تعد معناك [٦]. فاندفع يغنّي:
صوت
فلمّا التقينا بالحجون [٧] تنفست
تنفّس محزون الفؤاد سقيم
و قالت و ما يرقا [٨] من الخوف دمعها
أ قاطنها أم أنت غير مقيم
/ فإنّا غدا تحدى بنا العيس بالضّحى
و أنت بما نلقاه غير عليم
فقطّع قلبي قولها ثم أسبلت
محاجز [٩] عيني دمعها بسجوم [١٠]
قال: فجعل أبو السّائب يتأفّف و يقول: أعتق ما أملك إن لم تكن فردوسيّة الطّينة، و إنّها بعلمها لأفضل من آسية امرأة فرعون.
[١] ابهارّ الليل: انتصف؛ و هو مأخوذ من بهرة الشيء و هو وسطه، و قيل: ابهارّ: ذهبت عامته و أكثره و بقى نحو من ثلثه.
[٢] القهقهة: مدّ الصوت و ترجيعه.
[٣] كذا في أكثر الأصول. و لعله يريد: ليكن غناؤك ممثلا لمعنى ما تغنيه. و في ء، ب، س: «مغناك» و هذا إن صح فهو بالضم و الفتح و تشديد النون، مصدر ميمي بمعنى الغناء من «غنى».
[٤] يزفن: يرقص.
[٥] لعله يريد الإشارة إلى الأحاديث الواردة في فضل قزوين و فضل المرابطة بها و القتال فيها. و هي أحاديث موضوعة أضربنا صفحا عن ذكرها. (انظر «ياقوت» في الكلام على قزوين و «اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة» للسيوطى طبع المطبعة الأدبية بمصر سنة ١٣١٧ ه في الكلام على مناقب البلاد من ص ٢٣٩- ٣٤١).
[٦] في ب، س: «مغناك» بالمعجمة.
[٧] الحجون: جبل بأعلى مكة عنده مدافن أهلها.
[٨] و ما يرقأ: ما يجف و ما يسكن.
[٩] المحاجر: جمع محجر كمجلس، و هو ما دار بالعين من جميع جوانبها.
[١٠] سجمت العين الدمع سجما و سجوما: أسالته.