الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٥٢ - غناء ابن سريج عند بستان ابن عامر و وقفه الحاج لاستماع غنائه
و يقيم الإعراب، و يستوفي النّغم الطّوال، و يحسّن مقاطيع النّغم القصار، و يصيب أجناس الإيقاع، و يختلس مواقع النّبرات، و يستوفي ما يشاكلها في الضرب من النّقرات. فعرضت ما قال على معبد، فقال: لوجاء في الغناء قرآن ما جاء إلا هكذا.
يزيد بن عبد الملك و مولى حبابة المغنية
أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف قال حدّثني أحمد بن سعيد الدّمشقيّ قال حدّثني الزّبير بن بكّار عن ظبية [١]:
/ أنّ يزيد بن عبد الملك قال لحبابة يوما: أ تعرفين أحدا هو أطرب منّي؟ قالت: نعم، مولاي الذي باعني.
فأمر بإشخاصه فأشخص إليه مقيّدا [٢]، و أعلم بحاله فأذن في إدخاله، فمثل بين يديه و حبابة و سلّامة تغنّيان؛ فغنّته سلّامة لحن الغريض في:
تشطّ غدا دار جيراننا
فطرب و تحرّك في أقياده. ثم غنّته حبابة لحن ابن سريج المجرّد في هذا الشعر، فوثب و جعل يحجل [٣] في قيده و يقول: هذا و أبيكما ما لا تعذلاني فيه، حتى دنا من الشّمعة فوضع لحيته عليها فاحترقت، و جعل يصيح:
الحريق الحريق يا أولاد الزّنا. فضحك يزيد و قال: هذا و اللّه أطرب الناس حقّا، و وصله و سرّحه إلى بلده.
سماع عطاء و ابن جريج لغناء ابن سريج
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا فضل اليزيديّ عن إسحاق:
أنّ ابن سريج كان جالسا، فمرّ به عطاء و ابن جريح، فحلف عليهما بالطّلاق أن يغنّيهما، على أنهما إن نهياه عن الغناء بعد أن يسمعا منه تركه. فوقفا له و غنّاهما:
إخوتي لا تبعدوا أبدا
و ابلى [٤] و اللّه قد بعدوا
فغشي على ابن جريج، و قام عطاء فرقص. و نسبة هذا الصوت و خبره يذكر في موضع آخر.
غناء ابن سريج عند بستان ابن عامر و وقفه الحاج لاستماع غنائه
أخبرني الحسن قال حدّثنا الفضل عن إسحاق:
أنّ ابن سريج كان عند بستان ابن عامر يغنّي:
/
لمن نار بأعلى الخي
ف [٥] دون البئر ما تخبو
[١] في ت: «طيبة».
[٢] في ب، س: «فأمر بإشخاصه إليه مقيدا». و في ت: «فأمر فأشخص إليه مقيدا».
[٣] حجل المقيد من بابي قتل و ضرب حجلا و حجلانا: رفع رجلا و تريّث في مشيه على رجله الأخرى.
[٤] كذا في ر. و واهنا: اسم لأعجب؛ كقوله:
وا بأبي أنت و فوك الأشنب
كأنما ذرّ عليه الزرنب
و في سائر النسخ: «و بلي» بغير ألف. و لعلها سقطت من الناسخ.
[٥] في ح، ر: «الخبت» و كلاهما اسم موضع. و الخبت في الأصل: المطمئن من الأرض. و الخفيف: ما انحدر عن غلظ الجبل و ارتفع عن مسيل الماء.