الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٤ - شعر أبي قطيفة في تشوقه إلى المدينة
و كتبوا اليه يسألونه [١] الغوث. و بلغ أهل المدينة أنهم وجّهوا رجلا إلى يزيد، فخرج محمد بن عمرو بن حزم و رجل من بني سليم من بهز [٢] و حريث رقّاصة و خمسون راكبا فأزعجوا/ بني أميّة منها، فنخس حريث بمروان [٣] فكاد يسقط عن ناقته، فتأخّر عنها و زجرها و قال: اعلي و اسلمي. فلما كانوا «بالسّويداء» [٤] عرض لهم مولى لمروان، فقال: جعلت فداك! لو نزلت فأرحت و تغدّيت! فالغداء حاضر كثير قد أدرك [٥]. فقال: لا يدعني رقّاصة و أشباهه، و عسى أن يمكّن اللّه منه فتقطع يده. و نظر مروان إلى ماله ب «ذي خشب» فقال: لا مال إلا ما أحرزته العياب [٦].
فمضوا فنزلوا «حقيلا» [٧] أو «وادي القرى»، و في ذلك يقول الأحوص:
/ لا ترثينّ لحزميّ رأيت به
ضرا و لو سقط الحزميّ في النار
الناخسين بمروان بذي خشب
و المقحمين على عثمان في الدار
قال المدائنيّ: فدخل حبيب بن كرة على يزيد- و هو واضع رجله في طست لوجع كان يجده- بكتاب بني أميّة و أخبره الخبر. فقال: أ ما كان بنو أميّة و مواليهم ألف رجل؟ قال: بلى! و ثلاثة آلاف. قال: أ فعجزوا أن يقاتلوا ساعة من نهار؟ قال: كثرهم [٨] الناس و لم تكن لهم بهم طاقة. فندب الناس و أمّر عليهم صخر بن أبي الجهم القينيّ، فمات قبل أن يخرج الجيش، فأمّر مسلم بن عقبة الذي يسمّى مسرفا. قال: و قال ليزيد: ما كنت مرسلا إلى المدينة أحدا إلا قصّر و ما صاحبهم غيري، إنّي رأيت في منامي شجرة غرقد [٩] تصيح: على يدى مسلم، فأقبلت نحو الصوت فسمعت قائلا يقول: أدرك ثأرك [١٠] أهل المدينة قتلة عثمان فخرج مسلم و كان من قصّة الحرّة ما كان على يده، و ليس هذا موضعه. فقال أبو قطيفة في ذلك- لما أخرجوا عن المدينة-:
صوت من غير المائة فيه لحنان
شعر أبي قطيفة في تشوّقه إلى المدينة
بكى أحد لما تحمّل أهله
فكيف بذي وجد من القوم آلف
من اجل أبي بكر جلت عن بلادها
أميّة، و الأيام ذات تصارف
في «تاريخ ابن جرير الطبريّ» طبع ليدن قسم ٢ ص ٤٠٨ بضم الكاف و تشديد الراء المفتوحة. و لعل ضبطه «كرة» بفتح الكاف و تشديد الراء المفتوحة، سمّى بالمرة من الكرّ.
[١] كذا في ب، س، ح، ر. و في سائر النسخ: «و كتبوا إليه الغوث الغوث».
[٢] في ب، س، ح، ر: «سليم بن بهز» و هو تحريف.
[٣] في ت: «مروان» من غير باء.
[٤] السويداء: موضع على ليلتين من المدينة على طريق الشام. (ياقوت).
[٥] أي حان إناه و انتهى نضجه.
[٦] العياب: جمع عيبة و هي وعاء من أدم يكون فيها المتاع.
[٧] حقيل: موضع. و وادي القرى: واد بين المدينة و الشام من أعمال المدينة كثير القرى، و إليه ينسب عمر الوادي (ياقوت).
[٨] أي غلبوهم بكثرتهم.
[٩] الغرقد: الشجر العظيم.
[١٠] ثأرك: الرجل الذي أصاب حميمك؛ و منه:
قتلت به ثأري و أدركت ثؤرتي