الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٢ - شعره و أدبه
كالجلّنارة [١] أو صفاء عقيقة
أو لمع نار أو وميض بروق
أو قهوة [٢] تختال في بلّورة
بتألّق الترويق [٣] و التصفيق [٤]
و كأنّ سالفتيك [٥] تبر سائل
و على المفارق [٦] منك تاج عقيق
و كأنّ مجرى الصوت منك إذا نبت
و جفت عن الأسماع بحّ [٧] حلوق،
ناي [٨] دقيق ناعم قرنت به
نغم مؤلّفة من الموسيقى
و منها:
أبكي إذا أبصرت ربعك موحشا
بتحنّن و تأسّف و شهيق
و يزيدني جزعا لفقدك صادح [٩]
في منزل دان إليّ لصيق
قرع [١٠] الفؤاد و قد زقا فكأنّه
نادى ببين أو نعيّ شقيق
فتأسّفي أبدا عليك مواصل
بسواد ليل أو بياض شروق
و إذا أفاق ذوو المصائب سلوة
و تصبّروا أمسيت غير مفيق
قال أبو الفرج: كنت انحدرت إلى البصرة، و لمّا وردتها أصعدت إلى سكّة قريش أطلب منزلا أسكنه؛ لأني كنت غريبا لا أعرف أحدا من أهلها إلا من كنت أسمع بذكره، فاستأجرت بيتا في خان، و أقمت في البصرة أياما ثم خرجت عنها طالبا حصن مهدي؛ و كتبت هذه الأبيات على حائط البيت الذي أسكنه:
الحمد للّه على ما أرى
من صنعتي من بين هذا الورى
أصارني الدهر إلى حالة
يعدم فيها الضيف عندي القرى
بدّلت من بعد الغنى حاجة
إلى كلاب يلبسون الفرا [١١]
أصبح أدم السّوق لي مأكلا
و صار خبز البيت خبز الشّرا
و بعد ملكي منزلا مبهجا
سكنت بيتا من بيوت الكرا
فكيف ألفى لاهيا ضاحكا
و كيف أحظى بلذيذ الكرى
[١] الجلنار: زهر الرمان، معرّب كلنار.
[٢] القهوة: الخمر.
[٣] الترويق: التصفية.
[٤] التصفيق يقال: صفق فلان الشراب إذا حوّله من إناء إلى إناء ليصفو.
[٥] السالفتان: صفحتا العنق.
[٦] المفارق: جمع مفرق، و أصله وسط الرأس الذي يفرق فيه الشعر. و المراد هنا أعالي الرأس.
[٧] بح: جمع أبح من البحة و هي خشونة و غلظ في الصوت.
[٨] الناي: من آلات اللهو أعجمي معرّب، و عربيه زمخر و مزمار.
[٩] صادح: وصف، من قولهم: صدح الديك أي رفع صوته.
[١٠] قرع الفؤاد: فجأه.
[١١] الفرا: مقصور الفراء جمع فروة، و هي جلود حيوان تدبغ و تخاط و تبطن بها الثياب فتلبس اتقاء البرد.