الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٥٢ - قصة عمر مع البنات اللاتي أبصرنه من وراء المضرب
أبي الخطّاب التّذكرة التي أتحفناه بها. فأخرجت إليّ صندوقا لطيفا مقفلا مختوما، فقلن: ادفعه إليه و ارتحلن.
فجئته به و أنا أظنّ أنه قد أودع طيبا أو جوهرا. ففتحه عمر فإذا هو مملوء من المضارب (و هي الكير نجات [١])، و إذا على كلّ واحد منها اسم رجل من مجّان مكّة، و فيها اثنان كبيران عظيمان، على أحدهما الحارث بن خالد و هو يومئذ أمير مكة. و على الآخر عمر بن أبي ربيعة. فضحك و قال: تماجنّ عليّ و نفذ [٢] لهنّ. ثم أصلح مأدبة.
/ و دعا كلّ واحد ممن له اسم في تلك المضارب. فلما أكلوا و اطمأنوا للجلوس قال: هات يا غلام تلك الوديعة، فجئته بالصندوق، ففتحه و دفع إلى الحارث الكيرنج الذي عليه اسمه. فلما أخذه و كشف عنه غطاءه فزع و قال: ما هذا أخزاك اللّه! فقال له: رويدا، اصبر حتّى ترى. ثم أخرج واحدا واحدا فدفعه إلى من عليه اسمه حتّى فرّقها فيهم ثم أخرج الذي باسمه و قال: هذا لي. فقالوا له: ويحك! ما هذا؟ فحدّثهم بالخبر فعجبوا منه، و ما زالوا يتمازحون بذلك دهرا طويلا و يضحكون منه.
قصة عمر مع البنات اللاتي أبصرنه من وراء المضرب
قال و حدّثني هذا المولى قال: كنت مع عمر و قد أسنّ و ضعف، فخرج يوما يمشي متوكئا على يدي حتّى مرّ بعجوز جالسة، فقال لي: هذه فلانة و كانت إلفا لي، و عدل [٣] إليها فسلّم عليها و جلس عندها و جعل يحادثها، ثم قال: هذه التي أقول فيها:
صوت
أبصرتها ليلة و نسوتها
يمشين بين المقام و الحجر
بيضا حسانا نواعما [٤] قطفا
يمشين هونا كمشية البقر
قالت لترب لها تلاطفها
لنفسدنّ الطّواف في عمر
قومي تصدّي له ليعرفنا
ثم اغمزيه يا أخت في خفر
قالت لها قد غمزته فأبى
ثم اسبطرّت [٥] تشتدّ في أثري
بل يا خليليّ عادني ذكري
بل اعترتني الهموم بالسّهر [٦]
/- الغناء لابن سريج في السادس و الأوّل و الثاني خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو. و فيها لسنان الكاتب رمل بالوسطى عنه و عن يونس. و فيها للأبجر خفيف رمل بالوسطى عنه. و في:
[١] الكيرنجات: جمع الكيرنج، و هي كلمة فارسية مركبة من كلمتين هما «كير» بمعنى عضو التناسل و «رنج» و هو بالفارسية رنك و معناه الشكل و اللون. و ذلك مثل «نيرنج» المركب من كلمتين الأولى «نو» أو «ني» بمعنى الجديد، و رنج أي اللون و الشكل؛ و ذلك مجاز عن المكر و الخديعة، فمعناه البدعة الجديدة. و المضارب: جمع مضرب، و لعله يريد آلة الضراب و هو السفاد؛ يقال: ضرب الفحل الناقة يضربها ضرابا، إذا نزا عليها.
[٢] أي نفذ لهنّ تماجنهنّ و تم لهنّ ما أردن.
[٣] في ب، س، ح، ر: «فعدل».
[٤] في «ديوانه»: «خرائدا»: جمع خريدة و هي البكر التي لم تمسس قط، أو الحيّية الطويلة السكوت الخافضة الصوت الخفرة المتسترة.
[٥] اسبطرّت: أسرعت. و في ت: «استطيرت»؛ يقال استطير الفرس، إذا أسرع في الجري فهو مستطار. و تشتدّ: تعدو.
[٦] لم يذكر هذا البيت بتلك القصيدة في «ديوانه»: و إنما ذكر بعد البيت الذي قبله بيتان آخران هما:
من يسق بعد المنام ريقتها
يسق بمسك و بارد خصر
حوراء ممكورة محبّبة
عسراء للشكل عند مجتمر