الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٧٤ - خبر معبد مع الرجل الشامي الذي لم يستحسن غناءه
فحملت إليه كلّها، و حمل على البريد [١] من وقته إلى المدينة.
خبر معبد مع الرجل الشاميّ الذي لم يستحسن غناءه
قال إسحاق: و قال معبد: أرسل إليّ الوليد بن يزيد فأشخصت إليه. فبينا أنا يوما في بعض حمّامات الشأم إذ دخل عليّ رجل له هيبة و معه غلمان له، فاطّلى [٢] و اشتغل به صاحب الحمّام عن سائر الناس. فقلت: و اللّه لئن لم أطلع هذا على بعض ما عندي لأكوننّ/ بمزجر الكلب؛ فاستدبرته حيث يراني و يسمع منّي، ثم ترنّمت، فالتفت إليّ و قال للغلمان: قدّموا إليه [جميع] [٣] ما هاهنا، فصار جميع ما كان بين يديه عندي. قال: ثم سألني أن أسير معه إلى منزله فأجبته، فلم يدع من البرّ و الإكرام شيئا إلا فعله، ثم وضع النبيذ، فجعلت لا آتي بحسن إلّا خرجت إلى ما هو أحسن منه و هو لا يرتاح و لا يحفل لما [٤] يرى منّي. فلما طال عليه أمري قال: يا غلام، شيخنا شيخنا، فأتي بشيخ، فلما رآه هشّ إليه، فأخذ الشيخ العود ثم اندفع يغنّي.
سلّور في القدر و يلي علوه [٥]
جاء القطّ أكله و يلي علوه [٥]
-/ السّلّور: السّمك الجرّيّ [٦] بلغة أهل الشأم- قال: فجعل صاحب المنزل يصفّق و يضرب برجله طربا و سرورا. قال: ثم غنّاه:
و ترميني حبيبة بالدّراقن [٧]
و تحسبني حبيبة لا أراها
- الدّراقن: اسم الخوخ بلغة أهل الشأم- قال: فكاد أن يخرج من جلده طربا. قال: و انسللت منهم فانصرفت و لم يعلم بي. فما رأيت مثل ذلك اليوم قطّ غناء أضيع، و لا شيخا أجهل!
[١] البريد: مسافة تقدّر باثني عشر ميلا، و يطلق على الرسول المرتب لنقل الرسائل. و قد قال الخليل بن أحمد: إنه عربيّ مشتق من بردت الحديد إذا أرسلت ما يخرج منه، أو من برد إذا ثبت لأنه يأتي بما تستقرّ عليه الأخبار. و ذهب آخرون إلى أنه فارسيّ معرّب.
قال ابن الأثير في «النهاية»: إن أصله «بريده دم» و معناه مقصوص الذنب. و ذلك أن ملوك الفرس كان من عادتهم أنهم إذا أقاموا بغلا في البريد قصّوا ذنبه ليكون علامة على أنه من بغال البريد.
و قد كان البريد موجودا في عهد الأكاسرة من ملوك الفرس و القياصرة ملوك الروم. أما في الإسلام فقد ذكر أبو هلال العسكريّ في كتابه «الأوائل»: أن أوّل من وضعه في الإسلام معاوية بن أبي سفيان و أحكمه بعده عبد الملك بن مروان ا ه باختصار عن «صبح الأعشى» ج ١٤ ص ٣٦٦- ٣٧٢.
[٢] اطّلى: لطخ نفسه بنورة أو نحوها.
[٣] زيادة في ت.
[٤] الذي في «اللسان»: حفله و حفل به، مثل بالاه و بالى به.
[٥] لعلّ هذه لهجة شامية إذا ذاك في كلمة «عليه».
[٦] الجرّيّ كذميّ: حوت يكون بنيل مصر طويل أملس ليس له فصوص و لا ريش و له رأس إلى الطول و فم مستطيل كالخرطوم، و سماه ديسقوريدوس «سلورس». و قال إسحاق بن سليمان: أهل مصر يسمون الجرّيّ «السّلّور» (انظر «مفردات ابن البيطار» مادة أرى).
و قد ضبطه صاحب «القاموس» في مادّة «صلور» بأنه كسنّور. و ذكره ابن الأثير في «النهاية» في حديث عمّار: «لا تأكلوا السلور و الأنقليس» و فسر الصلور بالجرّيّ، و الأنقليس بالمارماهي، و قال: إنهما نوعان من السمك كالحيات.
[٧] الدّراقن كعلابط و قد تشدّد الراء، قال السيد مرتضى: و هو المشهور على الألسنة، و قد فسره صاحب «القاموس» بأنه المشمش.
و ذكر السيد مرتضى قول ابن دريد: إن عرب الشأم يسمون الخوخ «الدراقن» و قال: إن تفسيره بالمشمش غير معروف. (انظر «تاج العروس» مادة دراقن).