الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢١٢ - غناء ابن سريج في طريق الحاج و وقفه الناس بحسن غنائه
هذا الشّعر [١] حتى صلّى المغرب، و لم يعاود ابن سريج بعد هذا و لا تعرّض له.
ابن سريج و يزيد ابن عبد الملك
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدّثني حمّاد بن إسحاق عن أبيه، و أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني الفضل بن محمد اليزيديّ قال حدّثني إسحاق عن ابن جامع عن سياط عن يونس الكاتب قال:
لمّا قال عمر بن أبي ربيعة:
نظرت إليها بالمحصّب من منى
و لي نظر لو لا التّحرّج عارم
غنّى فيه ابن سريج.
قال: و حجّ يزيد بن عبد الملك في تلك السنة بالناس، و خرج عمر بن أبي/ ربيعة و معه ابن سريج على نجيبين رحالتاهما [٢] ملبستان بالدّيباج، و قد خضبا النجيبين و لبسا حلّتين، فجعلا يتلقّيان الحاجّ و يتعرّضان للنساء إلى أن أظلم الليل، فعدلا إلى كثيب مشرف و القمر طالع يضيء، فجلسا على الكثيب، و قال عمر لابن سريج: غنّني صوتك الجديد؛ فاندفع يغنّيه، فلم يستتمّه إلا و قد طلع عليه رجل راكب على فرس عتيق، فسلّم ثم قال: أ يمكنك- أعزّك اللّه- أن تردّ هذا الصوت؟ قال: نعم و نعمة عين [٣]، على أن تنزل و تجلس معنا. قال: أنا أعجل من ذلك، فإن أجملت و أنعمت أعدته! و ليس عليك من وقوفي شيء و لا مئونة، فأعاده. فقال له: باللّه أنت ابن سريج؟ قال نعم. قال: حيّاك اللّه! و هذا عمر بن أبي ربيعة؟ قال نعم. قال: حيّاك اللّه يا أبا الخطّاب! فقال له: و أنت فحيّاك اللّه! قد عرفتنا فعرّفنا نفسك. قال: لا يمكنني ذلك. فغضب ابن سريج و قال: و اللّه لو كنت يزيد بن عبد الملك لما زاد. فقال له: أنا يزيد بن عبد الملك. فوثب إليه عمر فأعظمه،/ و نزل ابن سريج إليه فقبّل ركابه؛ فنزع حلّته و خاتمه فدفعهما إليه، و مضى يركض حتى لحق ثقله. فجاء بهما ابن سريج إلى عمر فأعطاه إياهما، و قال له: إنّ هذين بك أشبه منهما بي. فأعطاه عمر ثلاثمائة دينار و غدا فيهما إلى المسجد، فعرفهما الناس و جعلوا يتعجّبون و يقولون: كأنهما و اللّه حلّة يزيد بن عبد الملك و خاتمه، ثم يسألون عمر عنهما فيخبرهم أنّ يزيد بن عبد الملك كساه ذلك.
و أخبرني بهذا الخبر جعفر بن قدامة أيضا قال و حدّثني ابن عبد اللّه بن أبي سعيد قال حدّثني عليّ بن الصّبّاح عن ابن الكلبيّ قال:
غناء ابن سريج في طريق الحاج و وقفه الناس بحسن غنائه
حجّ عمر بن أبي ربيعة في عام من الأعوام على نجيب له مخضوب بالحنّاء مشهّر الرّحل بقراب [٤]
[١] في أ، م، ب، س: «هذا الصوت».
[٢] الرحالة: سرج من جلود لا خشب فيه يتخذ للركض الشديد يكون للخيل و النجائب من الإبل. و في ب، س: «راحلتاهما» و هو تحريف.
[٣] نعمة عين: مثلثة النون. قال سيبويه: نصبوه على إضمار الفعل المتروك إظهاره أي أفعل ذلك كرامة لك و إنعاما لعينك (أي قرّة لها).
[٤] قال الأزهريّ: قراب السيف: شبه جراب من أدم يضع الراكب فيه سيفه بجفنه و سوطه و عصاه و أداته. و قال ابن الأثير: هو شبه الجراب يطرح فيه الراكب سيفه بغمده و سوطه و قد يطرح فيه زاده من تمر و غيره.