الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢١٣ - غناء ابن سريج في طريق الحاج و وقفه الناس بحسن غنائه
مذهب [١]، و معه عبيد بن سريج على بغلة له شقراء، و معه غلامه جنّاد يقود فرسا له أدهم [٢] أغرّ محجّلا، و كان عمر بن أبي ربيعة يسمّيه «الكوكب»، في عنقه طوق ذهب- و جنّاد هذا هو الذي يقول فيه:
صوت
فقلت لجنّاد خذ السيف و اشتمل
عليه برفق و ارقب الشمس تغرب
و أسرج لي الدّهماء و اعجل بممطري [٣]
و لا تعلمن خلقا من الناس مذهبي
الغناء لزرزر [٤] غلام المارقيّ خفيف ثقيل و هو أجود صوت صنعه- قال: و مع عمر جماعة من حشمه و غلمانه و مواليه و عليه حلّة موشيّة يمانية، و على ابن سريج/ ثوبان هرويّان [٥] مرتفعان، فلم يمرّوا بأحد إلّا عجب من حسن هيئتهم، و كان عمر من أعطر الناس و أحسنهم هيئة [٦]، فخرجوا من مكة يوم التّروية بعد العصر يريدون منّى، فمرّوا بمنزل رجل من بني عبد مناف بمنى قد ضربت عليه فساطيطه و خيمه، و وافى الموضع عمر فأبصر بنتا للرجل قد خرجت من قبّتها، و ستر جواريها دون القبّة لئلا يراها من مرّ. فأشرق عمر على النّجيب فنظر إليها، و كانت من أحسن النساء و أجملهنّ. فقال لها جواريها: هذا عمر بن أبي ربيعة. فرفعت رأسها فنظرت إليه، ثم سترتها الجواري و ولائدها عنه و بطّنّ دونها بسجف القبّة حتى دخلت. و مضى عمر إلى منزله و فساطيطه بمنى، و قد نظر من/ الجارية إلى ما تيّمه و من جمالها إلى ما حيّره، فقال فيها:
نظرت إليها بالمحصّب من منى
و لي نظر لو لا التّحرّج عارم
فقلت أشمس أم مصابيح بيعة
بدت لك خلف السّجف أم أنت حالم
بعيدة مهوى القرط إمّا لنوفل
أبوها و إمّا عبد شمس و هاشم
و مدّ عليها السّجف يوم لقيتها
على عجل تبّاعها و الخوادم
فلم أستطعها غير أن قد بدا لنا
على الرّغم منها كفّها و المعاصم
معاصم لم تضرب على البهم بالضّحى
عصاها و وجه لم تلحه السّمائم
نضير ترى فيه أساريع مائه
صبيح تغاديه الأكفّ النّواعم
إذا ما دعت أترابها فاكتنفنها
تمايلن أو مالت بهنّ المآكم
طلبن الصّبا حتى إذا ما أصبنه
نزعن و هنّ المسلمات الظّوالم
[١] الإذهاب و التذهيب واحد و هو الطلاء بالذهب.
[٢] في ح، ر: «أشقر».
[٣] الممطر و الممطرة: ثوب يتخذ لتوقي المطر.
[٤] في ح، ر، ب، س: «زرزور».
[٥] ثوب هرويّ: منسوب إلى هراة. و لم نعثر في «لطائف المعارف» للثعالبي و نهاية «الأرب» للنويري على ميزة خاصة لهذه الثياب، غير أنه قد يكون صبغها أصفر. قال في «القاموس» و «شرحه»: هرّى ثوبه تهرية: اتخذه هرويا أو صبغه و صفره. ثم قال: و كانت سادة العرب تلبس العمائم الصفر و كانت تحمل من هراة مصبوغة، و يقال لمن لبسها: قد هرّى عمامته.
[٦] في ح، ر: «لبسة».