الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٤٣ - عتاب الناس لابن سريج في صنعة الغناء ثم رجوعهم بعد أن يسمعوا صوته
لا تخدعنّي بالمنى باطلا
و أنت بي تلعب كالعابث
حتّى متى أنت لنا هكذا [١]
نفسي فداء لك يا حارثي
يا منتهى همّي و يا منيتي
و يا هوى نفسي و يا وارثي
عتاب الناس لابن سريج في صنعة الغناء ثم رجوعهم بعد أن يسمعوا صوته
قال: و بلغني أنّ رجلا من الأشراف [٢] من قريش من موالي ابن سريج عاتبه يوما على الغناء و أنكره عليه، و قال له: لو أقبلت على غيره من الآداب لكان أزين بمواليك و بك! فقال: جعلت فداك! امرأته طالق إن أنت لم تدخل الدار. فقال الشّيخ: ويحك! ما حملك على هذا؟ قال: جعلت فداك قد فعلت. فالتفت النوفليّ إلى بعض من كان معه متعجّبا مما فعل. فقال له القوم: قد طلقت امرأته إن أنت لم تدخل الدار. فدخل و دخل القوم معه.
فلمّا توسّطوا الدار قال: امرأته طالق إن أنت لم تسمع غنائي. قال: اعزب عنّى يا لكع! ثم بدر الشيخ ليخرج. فقال له أصحابه: أ تطلّق امرأته و تحمل وزر ذلك؟! قال: فوزر الغناء أشدّ. قالوا: كلّا! ما سوّى اللّه عزّ و جلّ بينهما.
فأقام الشيخ مكانه. ثم اندفع ابن سريج يغنّي في شعر عمر بن أبي ربيعة في زينب:
أ ليست بالّتي قالت
لمولاة لها ظهرا [٣]
أشيري بالسّلام له
إذا هو نحونا خطرا
و قولي في ملاطفة
لزينب نوّلي عمرا
أ هذا سحرك النّسوا
ن قد خبّرنني الخبرا
فقال للجماعة: هذا و اللّه حسن! ما بالحجاز مثله و لا في غيره. و انصرفوا.
أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن الأصمعيّ قال: قال عبد اللّه بن عمير [٤] اللّيثيّ لابن سريج: لو تركت الغناء! و عاتبه على ذلك. فقال: جعلت فداك! لو سمعته ما تركته. ثم قال: امرأته طالق ثلاثا إن لم تدخل الدار حتّى تسمع غنائي. فالتفت عبد اللّه إلى رفيق له كان معه فقال: ما تنتظر؟ ادخل بنا و إلّا طلقت امرأة الرجل. فدخلا مع ابن سريج، فغنّى بشعر الأحوص:
صوت
لقد شاقك الحيّ إذ ودّعوا
فعينك في إثرهم تدمع
و ناداك للبين غربانه [٥]
فظلت كأنّك لا تسمع
ثم قال: امرأته طالق إن أنت لم تستحسنه لأتركنّه. فتبسّم عبد اللّه و خرج.
[١] كذا في ر، ح و «الديوان». و في سائر النسخ: هذا متى أنت لنا هكذا
[٢] هذه الكلمة ساقطة في ت، ح، ر.
[٣] يحتمل أن يكون «ظهرا» بالتحريك فعلا، و بالضم ظرفا.
[٤] في ح، ز، م، ء: «ابن عمر».
[٥] في ح، ر: و ناداك بالبين غربانهم.