الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٣
و ذكر جحظة عمن روى عنه أن من الثلاثة الأصوات لحن ابن محرز في شعر المجنون، و هو من الثقيل الثاني:
إذا ما طواك الدهر يا أمّ مالك
فشأن المنايا القاضيات و شانيا
و لحن إبراهيم الموصليّ في شعر العرجيّ، و هو من خفيف الثقيل الثاني:
إلى جيداء قد بعثوا رسولا
ليحزنها، فلا صحب الرسول
و لحن ابن محرز في شعر نصيب، و هو على ما ذكر هزج:
/ أ هاج هواك المنزل المتقادم؟
نعم، و به ممن شجاك معالم
و حكى عن أصحابه أنّ هذه الثلاثة الأصوات على هذه الطرائق لا تبقى نغمة في الغناء إلّا و هي فيها.
رواية أن المغنين أجمعوا على صوت واحد من هذه الثلاثة و تفنيد أبي الفرج لهذه الرواية
أخبرني الحسن بن عليّ الأدميّ [١] قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد [٢] الورّاق قال حدّثني أبو توبة صالح بن محمد قال حدّثني محمد بن جبر [٣] المغنّي قال حدّثني إبراهيم بن المهديّ:
/ أنّ الرشيد أمر المغنّين أن يختاروا له أحسن صوت غنّي فيه، فاختاروا له لحن ابن محرز في شعر نصيب:
أهاج هواك المنزل المتقادم؟
قال: و فيه دور كثير، أي صنعة كثيرة. و الذي ذكره أبو أحمد يحيى بن عليّ أصحّ عندي. و يدلّ على ذلك تباين ما بين الأصوات التي ذكرها و الأصوات الأخر في جودة الصنعة و إتقانها و إحكام مباديها و مقاطعها و ما فيها من العمل، و أن الأخرى ليست مثلها و لا قريبة منها. و أخرى هي أن جحظة حكى عمن روى عنه أنّ فيها صوتا لإبراهيم الموصليّ، و هو أحد من كان اختار هذه الأصوات للرشيد، و كان معه في اختيارها إسماعيل بن جامع و فليح بن العوراء، و ليس أحد منهما دونه إن لم يفقه، فكيف يمكن أن يقال: إنهما ساعدا إبراهيم على اختيار لحن من صنعته في ثلاثة أصوات اختيرت من سائر الأغاني و فضّلت عليها! أ لم يكونا لو فعلا ذلك قد حكما لإبراهيم على أنفسهما بالتقدّم و الحذق و الرّئاسة و ليس هو كذلك عندهما؟
و لقد أخبرنا يحيى بن عليّ بن يحيى المنجّم عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه:
أنه أتى أباه إبراهيم بن ميمون يوما مسلّما، فقال له أبوه: يا بنيّ، ما أعلم أحدا بلغ من برّ ولده ما بلغته من برّك، و إني لأستقلّ ذلك لك، فهل من حاجة أصير فيها إلى محبّتك؟ قلت: قد كان- جعلت فداك- كلّ ما ذكرت فأطال اللّه لي بقاءك، و لكنّي أسألك واحدة: يموت هذا الشيخ غدا أو بعد غد و لم أسمعه، فيقول الناس لي ما ذا و أنا أحلّ منك هذا المحلّ. قال لي: و من هو؟ قلت: ابن جامع. قال: صدقت يا بنيّ، أسرجوا [٤] لنا. فجئنا
[١] من يبيع الجلود، نسبة إلى الأدم و هو الجلد (انظر «تاج العروس» مادة «أدم»).
[٢] في ح، ر: «سعيد».
[٣] كذا في ت، ح. و في ر: «جبير» و في سائر النسخ: «جرير» و كلاهما تحريف. و قد ورد هذا الاسم في «الأغاني» طبع بولاق ج ١٤ ص ٩٢ هكذا: «محمد بن جبر».
[٤] أسرجوا لنا أي شدوا على الخيل سروجها لتركبها.