الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٨
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
[مقدمة] نهج أبي الفرج في تأليف الكتاب
/ هذا كتاب ألّفه عليّ بن الحسين بن محمد القرشيّ الكاتب المعروف بالأصبهانيّ، و جمع فيه ما حضره و أمكنه جمعه من الأغاني [١] العربية قديمها و حديثها، و نسب كلّ ما ذكره منها إلى قائل شعره و صانع لحنه و طريقته من إيقاعه و إصبعه التي ينسب إليها من طريقته، و اشتراك إن كان بين المغنّين فيه، على شرح لذلك و تلخيص و تفسير للمشكل من غريبه و ما لا غنى عن علمه من علل إعرابه و أعاريض شعره التي توصّل إلى معرفة تجزئته و قسمة ألحانه.
و لم يستوعب كلّ ما غنّي به في هذا الكتاب و لا أتى بجميعه؛ إذ كان قد أفرد لذلك كتابا مجرّدا من الأخبار و محتويا على جميع الغناء المتقدّم و المتأخّر. و اعتمد في هذا [الباب] [٢] على ما وجد لشاعره أو مغنّيه أو السبب الذي من أجله قيل الشعر أو صنع اللحن خبرا يستفاد و يحسن بذكره ذكر الصوت معه، على أقصر ما أمكنه و أبعده من الحشو و التكثير بما تقلّ الفائدة فيه. و أتى في كل فصل من ذلك بنتف تشاكله، و لمع تليق به، و فقر إذا تأمّلها قارئها لم يزل متنقّلا بها من فائدة إلى مثلها،/ و متصرّفا فيها [٣] بين جدّ و هزل، و آثار و أخبار، و سير و أشعار، متصلة بأيام العرب المشهورة و أخبارها المأثورة، و قصص الملوك في الجاهلية و الخلفاء في الإسلام، تجمل بالمتأدّبين معرفتها، و تحتاج الأحداث إلى دراستها، و لا يرتفع من فوقهم من الكهول عن الاقتباس منها؛ إذ كانت منتخلة [٤] من غرر الأخبار، و منتقاة من عيونها، و مأخوذة من مظانّها، و منقولة عن أهل الخبرة بها. فصدّر كتابه هذا و بدأ فيه بذكر المائة الصوت المختارة لأمير المؤمنين الرشيد/- رحمه اللّه تعالى- و هي التي كان أمر إبراهيم الموصليّ و إسماعيل بن جامع و فليح بن العوراء باختيارها له من الغناء كلّه؛ ثم رفعت [٥] إلى الواثق باللّه- رحمة اللّه عليه- فأمر إسحاق بن إبراهيم بأن يختار له منها ما رأى أنه أفضل مما كان اختير متقدّما، و يبدل ما لم يكن على هذه الصفة بما [٦] هو أعلى منه و أولى بالاختيار؛ ففعل ذلك. و أتبع هذه القطعة بما اختاره غير هؤلاء من متقدّمي المغنّين و أهل العلم بهذه الصناعة من الأغاني، و بالأصوات التي تجمع النّغم العشر المشتملة على سائر نغم الأغاني
[١] الأغنية (بضم الهمزة و كسرها، و تشديد الياء و قد تخفف): ما يترنم و يتغنى به من الشعر و نحوه و الجمع أغانيّ و أغان.
[٢] زيادة في أ، ء، م.
[٣] كذا في أ، م، ء. و في ب، س، ح، ر: «متصرفا بها».
[٤] كذا في ح. و قد صوّبه الأستاذ الشنقيطي في نسخته بوضع نقطة فوق الحاء. و في الأصول كلها: «منتحلة» بالحاء المهملة، و هو تصحيف.
[٥] كذا في أ، م، ء. و في سائر النسخ: «وقعت».
[٦] كذا في جميع النسخ بتعدية الفعل إلى المتروك بنفسه إلى غير المتروك بالباء، و هو على غير المعروف من أن الباء تدخل على المتروك.