الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٩٠ - شعر عمر الذي غنى فيه المغنون
رأت رجلا أمّا إذا الشمس عارضت
فيضحى و أمّا بالعشيّ فيخصر
/ أخا سفر جوّاب أرض تقاذفت
به فلوات فهو أشعث أغبر
و ليلة ذي دوران [١] جشّمتني السّرى [٢]
و قد يجشم الهول المحبّ المغرّر
فقلت: أباديهم [٣] فإمّا أفوتهم
و إمّا ينال السيف ثأرا فيثأر
هذه الأبيات جمعت على غير توال؛ لأنه إنما ذكر منها ما فيه صنعة. غنّى في الأوّل و الثاني من الأبيات ابن سريج خفيف رمل بالبنصر عن أحمد بن المكيّ و ذكر حبش أن فيهما لمعبد لحنا من الثّقيل الأوّل بالبنصر.
و غنّى ابن سريج في الثالث و الرابع أيضا خفيف ثقيل بالوسطى، و ذكر حبش أن فيهما لحنا من الهزج بالوسطى لحكم [٤]. و غنّى ابن سريج في الخامس و السادس لحنا من الرّمل بالوسطى عن عمرو بن بانه. و ذكر يونس أن في السّابع و الثامن لابن سريج لحنا و لم يذكر طريقته، و ذكر حبش أن فيهما لمالك لحنا من الثقيل الثاني بالبنصر.
/ أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان [٥] قال أخبرني محمد بن إسحاق قال أخبرني محمد بن حبيب [٦] عن هشام بن الكلبيّ:
أنّ عمر بن أبي ربيعة أتى عبد اللّه بن عباس و هو في المسجد الحرام فقال: متّعني اللّه بك! إنّ نفسي قد تاقت إلى قول الشّعر و نازعتني إليه، و قد قلت منه شيئا أحببت أن تسمعه و تستره عليّ. فقال: أنشدني، فأنشده:
أ من آل نعم أنت غاد فمبكر
فقال له: أنت شاعر يا ابن أخي، فقل ما شئت. قال: و أنشد عمر هذه القصيدة طلحة بن عبد اللّه بن عوف الزّهريّ و هو راكب، فوقف و ما زال شانقا [٧] ناقته حتى كتبت له.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني الحسين بن إسماعيل قال حدّثنا ابن عائشة عن أبيه قال:
[١] ذو دوران (بفتح أوّله و بعد الواو راء مهملة و آخره نون): موضع بين قديد و الجحفة (ياقوت).
[٢] أي كلّفتني السير ليلا.
[٣] أجاهرهم و أظهر لهم و مرجع الضمير فيه ظاهر في قوله من القصيدة:
فلما تقضي الليل إلا أقله
و كادت توالي نجمه تتغوّر
أشارت بأن الحيّ قد حان منهم
هبوب و لكن موعد منك عزور
فما راعني إلا مناد: ترحّلوا
و قد لاح معروف من الصبح أشقر
فلما رأت من قد تنبه منهم
و أيقاظهم قالت: أشر كيف تأمر
[٤] في ب، س: «عن الحكم».
[٥] المرزبان، بفتح الميم و سكون الراء و ضم الزاي و فتح الباء الموحدة و بعد الألف نون، و هو يطلق في اللغة الفارسية على الرجل العظيم القدر، و معناه بالعربية حافظ الحدّ، قاله ابن الجواليقيّ في كتابه «المعرّب». (انظر ابن خلكان ج ١ ص ٧٢٥).
[٦] كذا في ت. و في سائر النسخ: «محمد بن أبي حبيب» و هو تحريف؛ إذ هو محمد بن حبيب أبو جعفر. قال ياقوت: من علماء بغداد باللغة و الشعر و الأخبار و الأنساب و كان ثقة مؤدّبا، و لا يعرف أبوه، و إنما نسب إلى أمّه. قال السيد مرتضى: «و محمد بن حبيب نسّابة، و حبيب هذه أمّه أو جدّته». و كتبه صحيحة، و له مصنفات في الأخبار، منها كتاب «المحبّر» و «الموشّى» و غيرهما. مات بسامرّا في ذي الحجة سنة ٢٤٥ في أيام المتوكل (راجع ترجمته في «معجم الأدباء» لياقوت «و بغية الوعاة» للسيوطيّ).
[٧] يقال: شنق البعير (من بابي ضرب و نصر) إذا جذبه بالشّناق حتى يرفع رأسه. و الشناق كالزمام و زنا و معنى.