الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١١
مربع كالقانون، توضع الأوتار على بسائطها مشدودة في رأسها إلى دساتين [١] جائلة ليأتي شدّ الأوتار و إرخاؤها عند الحاجة إليه بإدارتها، ثم تقرع الأوتار إما بعود آخر أو بوتر مشدود بين طرفي قوس، يمرّ عليها بعد أن يطلى بالشمع و الكندر [٢]، و يقطّع الصوت فيه بتخفيف اليد في إمراره أو بنقله من وتر إلى وتر. و اليد اليسرى مع ذلك في جميع آلات الأوتار توقع بأصابعها على أطراف الأوتار فيما يقرع أو يحكّ بالوتر، فتحدث الأصوات متناسبة ملذوذة.
و قد يكون القرع في الطسوت بالقضبان أو في الأعواد بعضها ببعض على توقيع متناسب يحدث عنه التذاذ بالمسموع.
... [٣] ............... و الحسن في المسموع أن تكون الأصوات متناسبة لا متنافرة. و ذلك أن الأصوات لها كيفيات من الهمس و الجهر و الرخاوة و الشدّة و القلقلة و الضغط و غير ذلك، و التناسب فيها هو الذي يوجب لها الحسن. فأوّلا: ألا يخرج من الصوت إلى ضدّه دفعة بل بتدريج ثم يرجع كذلك، و هكذا إلى المثل، بل لا بدّ من توسط المغاير بين الصوتين. و تأمّل هذا من افتتاح أهل اللسان التراكيب من الحروف المتنافرة أو المتقاربة المخارج فإنه من بابه. و ثانيا: تناسبها في الأجزاء، كما مر أوّل الباب، فيخرج من الصوت إلى نصفه أو ثلثه أو جزء من كذا منه على حسب ما يكون التنقل مناسبا على ما حصره أهل صناعة الموسيقى. فإذا كانت الأصوات على تناسب في الكيفيات، كما ذكره أهل تلك الصناعة، كانت ملائمة ملذوذة.
و من هذا التناسب ما يكون بسيطا، و يكون الكثير من الناس مطبوعين عليه لا يحتاجون فيه إلى تعليم و لا صناعة، كما نجد المطبوعين على الموازين الشعرية و توقيع الرقص و أمثال ذلك. و تسمي العامة هذه القابلية بالمضمار. و كثير من القرّاء بهذه المثابة يقرءون القرآن فيجيدون في تلاحين أصواتهم، كأنها المزامير، فيطربون بحسن مساقهم و تناسب نغماتهم. و من هذا التناسب ما يحدث بالتركيب، و ليس كل الناس يستوي في معرفته، و لا كل الطباع توافق صاحبها في العمل به إذا علم.
و هذا هو التلحين الذي يتكفل به علم الموسيقى، كما نشرحه بعد عند ذكر العلوم ...............
................ .................
و إذ قد ذكرنا معنى الغناء فاعلم أنه يحدث في العمران إذا توافر و تجاوز حدّ الضروريّ إلى الحاجيّ ثم إلى الكماليّ، و تفننوا فيه، فتحدث هذه الصناعة؛ لأنه لا يستدعيها إلا من فرغ عن جميع حاجاته الضرورية و المهمة من المعاش و المنزل و غيره، فلا يطلبها إلا الفارغون عن سائر أحوالهم تفننا في مذاهب الملذوذات.
و كان في سلطان العجم قبل الملة منها بحر زاخر في أمصارهم و مدنهم، و كان ملوكهم يتخذون ذلك و يولعون به؛ حتى لقد كان لملوك الفرس اهتمام بأهل هذه الصناعة، و لهم مكان في دولتهم، و كانوا يحضرون مشاهدهم و مجامعهم و يغنّون فيها. و هذا شأن العجم لهذا العهد في كل أفق من آفاقهم و مملكة من ممالكهم.
و أما العرب فكان لهم أوّلا فنّ الشعر يؤلفون فيه الكلام أجزاء متساوية على تناسب بينها في عدّة حروفها
فأعربته حين سمعت به.
[١] قال في «المخصص» ج ١٣ ص ١٢: «يقال للتي يسميها الفرس الدساتين العتب. قال الأعشى:
و ثنى الكف على ذي عتب
يصل الصوت بذي زير أبحّ»
[٢] الكندر: اللبان.
[٣] هذه النقط وضعت إشارة إلى ترك ما لا علاقة له بالغناء و تاريخه في هذا الفصل.